تأخر النصر، وغياب مبدأ السببية

262.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 43 – الأحد – 16-12-2012

   عتيق – حُمص

تحدّثنا في العدد السابق عن الجواب الأكثر شيوعًا في الفكر الديني التقليدي، حول لماذا تأخّر النصر؟ وهو ذاته الجواب الذي يستحضره الكثيرون للرد على العديد من الأسئلة التي تناقش أسباب التخلف والتأخر والركود في مجتمعاتنا، وجميعها تعاني من ذات المشكلة والخلل: الفصل بين الأسباب ومسبباتها، فيغيب عن البال أهمية القيادة العسكريّة الراشدة، والخطّة العسكرية المحكمة، لتحضر أهمية السلوك الاجتماعي السليم، مثل تجنّب الغيبة والنميمة والزنا والسرقة… إلخ.

ورغم شيوع هذا النمط، إلا أن هناك جوابًا آخر سمعته من قبل شباب ملتزم ينتمون إلى جناح ديني آخر، يختلف الجواب، لكن يبقى المضمون والجوهر واحد: تغييب الأسباب الحقيقيّة وفصلها عن مسبباتها. ويدور الجواب حول ضلالنا في عدم مناداتنا بإقامة دولة الخلافة الإسلاميّة وتخلينا عن تصورنا الإسلامي لشكل الدولة الخاص بنا، ثم تأييدنا لمجلس وطني «علماني»، بل ويرأسه اليوم رجل نصراني، ثم طلبُنا من قوى الكفر والباطل أن تعيننا في معركتنا… هذه برأي البعض هي أهم الأسباب التي أخر الله بها النصر عنّا!

وهذا مجددًا فصلٌ للنصر العسكري عن أسبابه الحقيقيّة، فإذا كان الأمر كذلك فلم ينتصر أهل الضلال على أهل الحق (ذكرت في المقال السابق واقعة كربلاء التي هزم بها الحسين حفيد الرسول، أمام الفاسق  يزيد بن معاوية)، ولم هزم المسلمون في أُحُد يومَ خالفوا الخطّة المرسومة؟!

هذا التشويه الذي أصاب مبدأ السببيّة في الفكر العربي عمره مئات السنوات، وربما يعتبر الإمام الغزالي في كتابه الإحياء أوّل من وجه ضربة شك قويّة لهذا المبدأ العقلي، حيث يقول «إن الاقتران بين ما يُعتقد في العادة سببًا، وما يعتقد مسببًا ليس ضروريًا عندنا، بل كل شيئين ليس هذا ذاك ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما متضمن لإثبات الآخر ولا نفيه متضمن نفي الآخر، فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر، ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر، مثل الري والشرب والشبع والأكل والاحتراق ولقاء النار والنور وطلوع الشمس.. وهلمّ جرّا كل المشاهدات من المقترنات في الطب والنجوم والصناعات والحرف وأن اقترانها لما سبق من تقدير الله سبحانه لخلقها على التساوق، لا لكونه ضروريًا في نفسه غير قابل للفوت».

لقد ساهمت هذه النظرة الضبابية المشككة في تعطيل مبدأ السببيّة بعد تراكم الشروح والتفسيرات والتأويلات لكلام الغزالي، وذهب رد ابن رشد المعروف بقوله «إن من رَفَعَ الأسباب فقد رفع العقل» مذهب الريح.

فماذا يقول القرآن الكريم؟

يعتمد الخطاب القرآني كثيرًا على أسلوب القصص للتربية النفسيّة والعقليّة، ولهذا فقد ساق قصة ذي القرنين، إمام العلم وملك الأرض في زمانه، يقول تعالى {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً}

لقد أتاه الله من كل شيء سببًا، أعطاه علم كل شيء كما يقول المفسّرون، فماذا كان منه ؟ {فَأَتْبَعَ سَبَباً} لقد اتبّع الأسباب ليحقق ما حقق، ومنه على سبيل المثال طلب القوم أن يحميهم من يأجوج ومأجوج.. فاتخذ لذلك الأسباب الحقيقيّة العلميّة {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً * آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً}

هكذا كان الإستعداد، وبهذا كانت النجاة، بالحديد والنحاس والنار، بالقوة والعلم والاستعداد، بهذه الآيات البسيطة غرس القرآن مبدأ السببية في وجدان المسلم، فلنتخلص من رواسب عهود الانحطاط والتخلف، ولنقوّم فكرنا، كي نحقق النهضة المطلوبة.

تابعنا على تويتر


Top