مع الثورة أم ضدّ النظام؟

 

طريف العتيق

لم يقتصر التباين الشديد في وجهات النظر، والمواقف والتصريحات، الذي خلّفته مبادرة الشيخ معاذ الخطيب على الساحة الثوريّة فحسب، بل يرجّح أنّه كان حاضرًا أيضًا في الدائرة الضيقة للنظام، من متخذيّ القرار، والمسؤولين الكبار، بين من يرى في المبادرة طوق نجاة ربّما يكون الأخير، وبين من لا يزال متصلبًا في تفكيره ومواقفه.

لكن ربّما كان الأهم من هذا، هو التوضيح الذي كشفت عنه المبادرة، بوجود صنفين من المنخرطين عملًا في الساحة الثوريّة، الصنف الأوّل هو مع الثورة، بينما يقف الصنف الآخر ضدّ النظام!!

مجدّدًا لم تخلق مبادرة الخطيب هذا التباين، بل كشفت عنه فقط. وربما لم يكن التفكير بهذه الطريقة مطروقًا من قبل أيضًا، لكنّ عدم معرفتنا بالشيء أو تفكيرنا به لا يغيّر شيئًا من حقيقة وجوده.

 فقد كان واضحًا أنّ المبادرة لم يكن تركيزها الرئيس أو هدفها الأوّل ملاحقة رموز النظام، أو القصاص من كبار المجرمين (ولم تنفي ذلك أو تعارضه بالمناسبة)، أو استعداء إيران وروسيا، وتهديدهم بقطع كافّة العلاقات التجارية والاقتصاديّة وغيرها في سوريا بعد الثورة.

بل صُبّ زخم المبادرة وكامل تركيزها (بحنكة) على خدمة الثورة، وتحديدًا خدمة أبنائها، سواء من منهم في الداخل، أي داخل سوريا، وتحديدًا داخل زنازين نظامها، أو في الخارج، ممن فقدوا القدرة على أيّ تحرّك لخدمتها.

لا يجد الفريق الأوّل (الذين هم مع الثورة) استحالةً في إيجاد تسويةٍ سياسيّة للواقع الحاصل، تُقدّم تنازلات لا تمس جوهر مطالب الثورة، قد تتجلى في إيجاد مخرجٍ آمن لرموز النظام الحاكم، أو القبول بتسوية لا تشمل حلّ الجيش بكامل فرقه، وغير ذلك، من الحلول التي يمكن أن تكون موضع نقاش وتباحث وتعديل. يعطي هذا الفريق اهتمامًا أولويًا للمعاناة الإنسانيّة الصعبة للغاية، ويبحث جاهدًا عن حقن الدماء، وتوفير الأموال، وتقليل الخسائر المتزايدة، مؤمنًا أنّه لا يمكن تحقيق أهداف الثورة بسواعد مجتمع جائع، مشرّد، ومتفكّك اجتماعيًا. ويتخوّف من نصرٍ عسكريّ قد يؤخّر ميلاد نظام ديمقراطيّ.

مع ذلك، تتنوع الآراء وتختلف مواقف هذا الفريق، لكن طريقة التفكير عمومًا، والمتمثلة في إعطاء الثورة وأهدافها (الحريّة، الكرامة، العدالة الاجتماعيّة) الأولويّة المطلقة. بينما يقول الفريق الآخر بأنّ محاسبة النظام، والقصاص من كبار مجرميه، هو من أهمّ أهداف الثورة، فهم لم يخرجوا عنها أصلًا، وتختلف درجات العداء، بين من يتحدّث عن كبار المجرمين، ومن يشمل معهم، عناصر الأمن والجيش والشبيحة، ومن يوسّع دائرة القصاص لتشمل الطائفة العلويّة، كما يوجد من يوسّع الدائرة أكثر لتشمل دولًا أخرى، كروسية والصين وإيران، وحتى أمريكا وأوروبا أحيانًا. يقول هذا الفريق بأنّ التخلي عن هذه المطالب أو الحدّ الأدنى منها، هو خيانةٌ لدماء الشهداء. وبأنه مهما كان عدد الشهداء الذي ينتظرنا حتى تحقيق النصر عسكريًا، ومهما كان الدمار الماديّ والمعنويّ والاجتماعيّ كبيرًا، فإنّه لا يقارن مع الهدف (وكل شيبيرخص فدا الحريّة). وباجتهادٍ قد يخطئ، فإن الفريق الأول أطلق شرارة الثورة، مؤمنًا بأهميتها التاريخيّة، ومتمنيًا تحقيقها، ولم يكن يصعّد مطالب القصاص إلّا تحت ضغط دمويّ شديد.

بينما انضم الفريق الآخر للثورة بعد تعرض ذويهم لنيران النظام، أو وحشيته، وقد رفدوا الثورة باستمراريّة أسطوريّة فريدة.

لم يكن هدف المقال تزكيّة طرف على آخر، بل فقط تسليط الضوء على هذه الفروق، والتفكير الحرّ بها، ليتخذ القارئ الموقف الذي يريد، لكن عن وعيّ هذه المرّة.

تابعنا على تويتر


Top