تعليق سونيا زكري في صحيفة زود دويتشة تسايتونغ الألمانية

سوريا.. الجزّار كمحرِّر

palmyra13546t2.jpg

مقاتلان تابعان لقوات الأسد في تدمر 27 آذار 2016 (ِAFP)

ترجمه لعنب بلدي: د. حسان حفار

يحتفل الغرب بطرد تنظيم الدولة من موقع التراث العالمي في تدمر من قبل قوات الأسد، ولكن هذا الحاكم السوري لا يقل قسوة عن الارهابيين.

لو أراد التحالف الروسي– السوري، أن يحقق نصرًا واحدًا ضد ما يسمى “الدولة الإسلامية”، لكان عليه أن يحرر تدمر قبل ذلك، فهي جميلة الصحراء، ومدينة الواحات، ومدينة القوافل، والمدينة التجارية، وإحدى مواقع التراث العالمي التي تعتبر رمزًا للكثيرين، والذي كان يمكن أن يستغل سياسيًا.

هذه الثروة الإلهية لخمسين اسمًا من الآلهة المحلية أو القبلية، هل تشكل التسامح الديني مقابل التعصب الديني الموجود في الشرق الأوسط اليوم؟

إن قدرة تدمر على هضم التأثير الآرامي واليوناني والروماني والفارسي والعربي، الذي عرفته، دون أن تفقد نفسها، لفريد من نوعه. لماذا غير مسموح له أن يكون نموذجًا يحتذى به لمستقبل متعدد الثقافات؟

لقد احتل الإرهابيون تدمر عشرة أشهر، وفجّروا معبد بعل، وقوس النصر، والمقابر الأثرية، وقتلوا الناس على مدرج المسرح، وعذّبوا وقتلوا كبير علماء الآثار خالد الأسعد، لأنه لم يرض ان يفصح لهم عن مخبأ كنوز أخرى لتدمر.

والآن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزميله السوري بشار الأسد، المتهمان لعدة أشهر بقتل المدنيين وليس الإرهابيين، ينتزعان تدمر من البرابرة ويعيدون هذا التراث العالمي للبشرية.

ويشعر الأمين العام للأمم المتحدة بسعادة غامرة، وإيران تهنئ، وتعطي الأسد وعدًا بإعادة بناء المباني المدمرة، بينما يشكك الكثيرون من علماء الآثار بهذه النتائج حيث يشعرون بأن الخطر موجود في مكان آخر.

بشار الأسد يعذب ويقتل أيضًا، ولكن ليس أمام الكاميرا كما يفعل تنظيم “الدولة الإسلامية”

لا يثير غضب الأسد أن يهدد بأن تحرم آثار تدمر من كونها إحدى مواقع التراث العالمي لليونسكو، إذا لم يرمم هذا الحطام بشكل علمي، سيأتي السواح بعد انتهاء الحرب لزيارة المواقع التي تم إنقاذها، سواء كانت تراثًا عالميًا أم لم تكن كذلك، ما يعني أنه ستأتي أيام جيدة لتدمر ولكنها ستكون أيام أفضل للأسد.

ولكن ما يجري إخفاؤه في كل هذه البهجة، هو المعنى الكئيب الشائع لهذا المكان لكل سوري، تدمر هي المدينة التي تعني بالإضافة إلى كونها أثرية، فهي المكان الذي كان يوجد به أسوأ سجن للنظام السوري.

في أقبية الأسد يعاني ويموت إلى يومنا هذا عشرات الآلاف، حيث يقتل النظام خصومه ولكن ليس أمام الكاميرا ولا يصور عن هذا الجحيم أفلام يوتيوب. وبالنسبة للغرب فإن إمكانية الاتصال الإيديولوجي مع طبيب العيون في دمشق أفضل بالمقارنة مع جزاري “الدولة الإسلامية” البدائيين، ولكنهم أخلاقيا لا يختلفون عن بعضهم إلا القليل.

وما يلائم الأسد أكثر أنه حتى معظم منتقديه لا يستطيعون إلا وأن يعترفوا به. ولكن تبقى تدمر، كما كانت لعشرة أشهر مضت، وكبقية الأماكن الحضارية المحتلة أو المهددة في هذه المنطقة المظلومة، فإنها تبقى رهينة للحرب.

تابعنا على تويتر


Top