في عيد الثورة الثاني… المثقف ثانية!

131.png

جريدة عنب بلدي – العدد 56 – الأحد – 17-3-2013

13

في عيد الثورة الأول كتب أحد أشهر الكتاب والمثقفين العرب على صفحته على الفيس بوك: « في ١٥ آذار القادم ستحتفل سوريا بعيد الثورة فعليًا وستبدأ بمرحلتها الانتقالية»

لم تتحقق توقعات المثقف كما لم تتحقق توقعات الكثيرين غيره للأسف، مما يؤكد الحاجة لتحليل مسار الثورة ومآلاتها المتوقعة أكثر مما مضى.

ما يهمنا في هذا الباب هو النظر في مسار الثورة خلال العامين المنصرمين المليئين بالألم والآمال مستلهمين خطابها الأول.

ابتدأت الثورة باللاءات الثلاث التي أعلنها أحد مؤتمرات المعارضة (لا للعنف، لا للتدخل الخارجي، لا للطائفية) ومع أن الصياغة كانت محل انتقاد في ذلك الزمان حيث كان يجب القول (لا لعنف النظام ولا لطائفية النظام ولا للتدخل الخارجي من قبل حلفاء النظام) وبالرغم من أن القائمين على ذلك المؤتمر رفعوا هذه الشعارات في وجه المعارضة وليس النظام، لكننا نستطيع القول أن تلك كانت بداية الثورة، أو لنقل توصيفها …

ثورة شعبية، سلمية لاطائفية، لا ترى في التدخل الخارجي وسيلة للتغيير السياسي، ولكن عنف النظام وعدم انضمام قطاعات مهمة من الشعب السوري وتخاذل المجتمع الدولي الذي فسره النظام كضوء أخضر لإطلاق العنان لحله العسكري الأمني في معالجة المطالب البسيطة الفطرية التي خرج بها المنتفضون، كل هذا ساهم في حرف الثورة السورية عن مسارها الأول.

ونحن على أعتاب عام الثورة الثالث نعتقد أننا أبعد ما يمكن عن منطلقات الثورة الأولى، وهدفنا في هذا المقال أن نبين ما نعتقد أنها الأحداث المفصلية التي حرفت مسار الثورة ولم تعد تنفع معها «مصححات» ما قبل هذه الأحداث.

لا للعنف:

ابتدأت الثورة السورية سلمية في متنها وبهامش نادر من الأفعال وردود الأفعال العنفية هنا وهناك، ولكن هذا لم يشفع للمظاهرات السلمية من عنف النظام المفرط وغير المفهوم، فشهدت مظاهرات الجمعة العظيمة على سبيل المثال ١٢٠ شهيدًا وهو ما يربو على عدد شهداء الثورة التونسية مجتمعين..

مدينة حمص كانت السباقة في التسلح ضد النظام بداية وقد أمضت فترة كانت في دفة قيادة الثورة السورية. كانت اللحظة الفارقة التي اطلقت سباق التسلح في حمص هي مجزرة الساعة السادس عشر من نسيان 2011 حيث حصدت آلة القتل الأسدية مئات المعتصمين، فالدرس الوحيد الذي استفاده النظام من تجارب من سبقوه للأسف هو تحريم الاعتصامات.

وإذا كانت مجزرة الساعة قد أطلقت التسلح في حمص، فإن اجتياح دير الزور وحماه في بداية رمضان ٢٠١١ هو الذي أطلق التسلح في عموم سوريا، حماه تشكل للسوريين جرحًا لم ينكفئ، تمثل ذاكرة الزمن الموحش، حماه ١٩٨٢ تمثل أعمق ما انتفض عليه السوريين في ٢٠١١ ولم يبذل النظام أي جهد لمداواة هذا الجرح، بل على العكس اعتمد على إذكائه الدائم حتى يحكم السوريين بالحديد والنار.

كان اجتياح حماه بمثابة اجتياح لذاكرة السوريين الذين شعروا أن لا حل إلا بمقابلة العنف العاري للنظام إلا بالسلاح. ليبدأ بعدها خطاب الثورة بتحية الجيش الحر وحق الدفاع عن النفس والغمز واللمز بالسلمية وما أوصلتنا له، قبل اجتياح حماه كانت هذه الأحاديث موجودة بالتأكيد ولكن بعدها تعمم وانتشر خطاب تسليح الثورة الذي يسبق التسلح الفعلي بالتأكيد

لا للطائفية:

ابتدأت الثورة السورية وطنية في مطالبها وشعاراتها الأولى (الشعب السوري واحد) (إسلام ومسيحية ودروز وعلوية كلنا بدنا الحرية) وغيرها كثير، ولكن في الحقيقة فقد عانت الثورة السورية من طائفية التوزع الجغرافي للانتفاضة وطبقيته. فباستثناء مدينة سلمية في ريف حماه ذات الأغلبية الاسماعيلية فإن عموم المظاهرات تموضعت في مناطق ذات غالبية سنية، وقدد عزز هذا التوجه انكفاء العاصمتين (حلب ودمشق) عن المشاركة الواسعة في الحراك السلمي، وقد بقيت الثورة بالرغم من ذلك محافظة على توجهها المدني الوطني، صحيح كان هناك بعض التجاوزات هنا وهناك ولكن هذه التجاوزات غالبًا ما كان يتم احتواؤها وتغييبها لصالح الخطاب الوطني،

ربما تشكل مجزرة الحولة في أيار ٢٠١٢ اللحظة الفارقة التي أطلقت العنان لمكنونات الثورة الطائفية دفعة واحدة، فما بعد الحولة ليس كما قبلها، والكلام عن إبادة العلوية لم يأخذ هذا الشيوع إلا بعد تلك المجزرة التي لم يصدر إلى الآن من قبل المتهمين بها ما يخفف من طائفيتها المقيتة.

لا للتدخل الخارجي:

خلال أشهر الثورة الأولى وبالرغم من ازدياد العنف من قبل النظام إلا إن عموم الثوار بقوا على موقفهم الرافض للتدخل الخارجي تجنبًا للسيناريو الليبي الذي رأى فيه الثوار كلفة بشرية ومادية واجتماعية كبيرة عدا عن حساسية التدخل الخارجي بالنسبة للسوريين واتهام النظام السوري الدائم لمعارضيه بالعمالة للخارج.

وللمفارقة فإن السبب الذي أبعد الثوار عن طلب التدخل الخارجي هو ذاته الذي جعلهم يستجدونه وهو السيناريو الليبي نفسه. فمع انتصار الثورة الليبية وسحل القذافي في شوارع مصراتة انتعشت آمال ثوار سوريا الذين رأوا في ليبيا نموذجًا قابلًا للتحقيق، فبدأت بعدها أعلام الاستقلال بالظهور أكثر مما مضى في محاكاة للثوار الليبيين الذين فعلوا الأمر نفسه.

تسلح الحراك وتخاذل المجتمع الدولي، وطائفية النظام فتحت الباب على مصراعيه للمقاتلين الأجانب لتكون سوريا وجهتهم وأرض رباطهم وجهادهم، كما فتحت الباب على مصراعيه للسوريين ليستجدوا بهذه الحركات أكثر من أي وقت مضى.

خطاب الثورة الأول كان مدنيًا سلميًا يعتبر الوحدة الوطنية خطًا أحمرًا لا يمس، غير مؤدلج ولا مسيس وهو ما عبرت عنه الشعارات (لا سلفية ولا إخوان … ما عم يفهم هالفهمان) (لا إخوان ولا سلفية … نحنا بدنا الحرية) وهو ما تحول مع امتداد الثورة إلى المطالبة الصريحة بإقامة الدولة الإسلامية وتشكيل كتائب وألوية إسلامية صريحة كحركة أحرار الشام الإسلامية وجبهة تحرير سوريا الإسلامية وغرباء الشام وغيرها.

أين المثقف ؟

ما بين جمعة «صالح العلي» وجمعة «سنطفئ نار المجوس» وما بين «بدنا وحدة وطنية» إلى «بالذبح جيناكم» فارق شاسع لا تملؤه إلا المدن المدمرة وعشرات آلاف الشهداء، ولكن ما يحز بالنفس فعلًا أن المثقف السوري ومن خلفه السياسي السوري المعارض وقادة الرأي العام لم يكن حاضرًا ولا موجهًا لأي من هذه الأحداث، يؤسفنا القول أن المثقف والسياسي السوري قد اتخذا في بعض الحالات (من خلال الإحجام أو الارتباك) مواقفًا كرست الحالة السلبية، بل وربما حشدا الجماهير خلف خيارات ظهرت كارثيتها وأوهامها فيما بعد «الحظر الجوي» مثلًا..

لم يكن تعامُل المثقف السوري مع الثورة إلا كمتعال على الجماهير التي لا تعرف ماذا تريد بنظره أو كملتصق بها لا يستطيع القول بما لا تريد، وهو ما أفقد الثورة المثقفين كطاقة إبداعية ومجددة لروح الثورة ولم تكسبهم الثورة كسياسيين ثوريين.

الأحرى بالمثقف أن يترك مسافة نقدية تفصله عن الشارع فلا يتعالى عليه ولا يتماهى معه

مرت سنتين طوال والقادم أعظم وسنحتاج سنوات بعد انتهاء الثورة حتى ننتهي من إعادة الإعمار، كلنا أمل إن لا يتخلى المثقف السوري عن مهامه مرة أخرى.

تابعنا على تويتر


Top