حتى بالقبر.. تعكرون صفوتي!!

عنب بلدي – العدد 58 – الأحد 31-3-2013

اعتاد ابراهيم زيارة قبور أصدقائه الذين كانوا يؤنسون وحشته في الظلام بعد عودته من عمله الشاق.. يدور بين قبورهم جميعًا وأصوات التكبيرات تصدح من المسجد القريب من تربة الشهداء..
جلس إبراهيم إلى جانب قبر «عدنان مراد» آخر أصدقائه التحاقًا بركب الشهداء، يسترجع ذكرياتٍ جمعته بعدنان في الأمس القريب.. لكن «أبو صياح» الذي دفن شهداء داريا بيده قطع عليه خلوته، وقال له تعال! وأخذ أبو صياح إبراهيم إلى قبر حفره بجوار قبر عدنان وأخذ يلقنه الشهادتين وسأله الأسئلة التي يسألها ملك الموت…
جلسا جلسة صفاء مع الروح، لكن مقاتلة حربية منعت إبراهيم من إكمال أروع لحظاته مع أبو صياح بحسب قوله، حيث قصفت المقاتلة صاروخًا بجوارهم ما اضطر إبراهيم للإسراع إلى مكان القصف، لتفقد المكان وتصوير مكان سقوط الصاروخ.

8

إبراهيم شاب من داريا، برز منذ بداية الثورة وشارك في نشاطاتها إلى أن اعتقلته قوات الأسد وغيّبت أحلامه الثورية لمدة عام، لكن سجانيه لم يعلموا أنه خلال اعتقاله تعلم ترتيب حياته، ورسم أحلامه لسوريا الجديدة…
خرج ابراهيم من المعتقل ليتفاجأ بتطورات متسارعة قد حلت في «سوريته»، إذ اعتقلت المخابرات الجوية كلًا
من أبيه وشقيقه الأصغر، ليشعر بالوحدة من جديد.
وفي العشرين من آب 2012 أي بعد بضعة أيام من الإفراج عنه، أغلقت قوات الأسد مداخل مدينة داريا وشنت حملتها الأشرس حينها، وارتكبت المجزرة الكبرى بحق ما يزيد عن 700 شهيد، فأخذ إبراهيم على عاتقه نقل ما يجري وقام بتصوير ما استطاع من المشاهد والصور التي وثقت لتلك الحملة.
ما لبث إبراهيم أن فقد منزله بفعل صواريخ انهالت على منزل ذكرياته القديم، لكنه تابع بصمت، وانضم إلى المجلس المحلي للمدينة حين تأسيسه، وعمل في المكتب الإعلامي التابع له.
ومع حلول كانون الأول من العام الفائت نزح معظم أهالي داريا وشبابها إثر الحملة العسكرية التي خيمت على المدينة، لكن إبراهيم آثر البقاء… علّه ينقل الحقيقة للخارج، وعمل على تصوير المعارك التي تحدث على جبهات المواجهات بين عناصر الأسد وعناصر الجيش الحر.
يتحدث أصدقاء إبراهيم عن نجاته بأعجوبة عدة مرات من الموت أثناء قيامه بواجبه اليومي، ليعود مساءًا إلى الملجأ الذي يبيت فيه شبه فاقدٍ لسمعه من هول أصوات الرصاص والقذائف التي يقوم بملاحقتها بكاميرته، ويردف أصدقاؤه أنهم فقدوا عددًا من شركائهم في الثورة بسبب المخاطر ذاتها التي يتعرض لها إبراهيم كل يوم، على غرار زيد شرارة وآخرين.
هنالك أشخاص يعملون بصمت منذ بداية الثورة، استمروا مع استمرار المآسي…
ربما اعتادوا الموت، وأصبحت القبور مؤنسةً لوحشتهم، وملجأ لشكواهم…
يعملون يبكون ويضحكون ينامون ويأكلون مع أصدقائهم لا يفارق أحدهم الآخر،
فجأة وبعد دقائق من لقاء، يصعد أحدهم إلى السماء، ليترك وراءه شريك عمله ومنامه..
هكذا هم شباب سوريا الأمل..
يصنعون الحياة من قلب الموت..

تابعنا على تويتر


Top