تحررت ولكن ما نسيت … وهذه قصتي

syria_prison.jpg

عنب بلدي – العدد 60 – الأحد 7-4-2013

syria_prison«من مذكرات معتقلي داريا»
شعرت بأني أعيد رواية القوقعة من جديد، عندما بدأت حكاية قصتي أمام أمي في ذكرى اعتقالي لدى المخابرات السورية منذ سنة. تفاجأت بأني أذكرها بكل تفاصيلها في كل لحظة من لحظات السجن.
قامت المخابرات السورية في آذار 2012 بنصب كمين لي عن طريق أحد المستخدمين المدنيين الذي يعمل لصالح فرع الأمن السياسي في دمشق، وتم اعتقالي في فرع سرية المداهمة /215 أمن عسكري/ في دمشق. بعد ساعات من اعتقالي أدخلني العسكري المسؤول عن السجناء إلى مهجع يوجد فيه أكثر من 200 سجين، وبدأت عندها بالتعرف إلى مكان وجودي وعن صعوبة هذا الفرع في التحقيق، والاستماع إلى نصائح المعتقلين القدامى، وما هي إلا لحظات حتى يصرخ السجان باسمي، لأواري ثيابي التي خلعتها من شدة الحر وأركض تجاهه وهو ينهال علي بوابل من الشتائم.
استقبلني في غرفة صغيرة مظلمة رجل طويل وضخم يحمل بيده عصى غليظة وأنا مكبل اليدين ومطمش العينين، أحاول أن أتلمس حولي وأتعرف إلى ما يوجد داخل هذه الغرفة. انهال علي بالضرب مباشرة من دون أي سؤال أو تحقيق، وبعد نصف ساعة من الضرب بادرته وقلت : «يا سيدي دخيلك بعترف بكل شي شو ما كان بس اسألني».
قال لي : «لا ما بدي اسألك، أنت بدك تعترف بدون ما احكي شي أنا»!!، والغريب أنني بعد ساعة كاملة من الضرب والتعذيب لم أتعرض لأي سؤال، لا أسمع سوى الشتائم وصوت العصا التي تنتزع قطعة من جسدي مع كل ضربة.

توقف عن الضرب للحظات وسألني عن أحد المعارضين يحمل اسم العائلة التي أنتمي إليها، وعاد إلى ضربي مرة أخرى، وأعادني إلى المهجع حبوًا على قدمي. أمضيت أول ساعات من سجني أفكر كيف أداوي جسدي لأكون جاهزًا للتحقيق القادم. وما هي إلا ساعات قليلة لينادي باسمي ثانية، انتفضت مسرعًا رغم أني لا أستطيع الوقوف من آثار التعذيب في التحقيق الأول، وأعود ثانية إلى الكلبشة والطميشة.
قرابة خمس ساعات قضيتها مشبوحًا على حائط مقابل غرفة التحقيق، يأتي بين فينة وأخرى أحد العناصر ليقوم بواجبه بتهديدي بالموت وضربي ليبث الخوف في نفسي ويجعلني أعترف من قرارة نفسي بكل شيء يريد، وفي خوف أكثر مما قد يحل بي.
أدخلت إلى غرفة التحقيق بعد ساعات من التعذيب النفسي، وجدتها غرفة كبيرة خالية تحوي على وسائل التعذيب وطاولة يجلس المحقق وراءها وعنصر يقف بجانبي، أمرني بخلع ثيابي وأنا مكبل اليدين إلى الخلف وأن أقوم بتنظيف الغرفة من القمامة.

ومن هنا بدأت حكاية الاتهامات التي وجهت إلي وطلب مني أن أعترف بها، كلما هممت بكلمة جاءني السياط لا أدري من أي جهة ولا أدري أين أصاب، استمرت فترة التحقيق هذه لمدة ساعتين وعدت إلى المهجع أداوي جراحي وأنتظر مراحل التحقيق القادمة بكل خوف، بعدها تم استدعائي إلى التحقيق 9 مرات في كل مرة يعمد المحقق إلى طرق جديدة في التعذيب، واختراع خدع باطلة لإجباري على الاعتراف بما يريد، كتهديدي بالفصل من الجامعة وإحضار أهلي وأمي إلى السجن وتحويلي إلى سجن صيدنايا لا أخرج منه ما حييت.
بعد خمسين يومًا تم تحويلي إلى المحكمة العسكرية في دمشق، وأوقفت في سجن عدرا المركزي بتهمة الإرهاب وحيازة منشورات تهدد النظم الأساسية في المجتمع!!، ونقلت مع العشرات أمثالي منهم المهندسين والأطباء واللغويين والموظفين إلى سجن عدرا في سيارة «سيارة اللحمة»، وهناك أصبحت أمتلك هوية جديدة تهمتي فيها إرهاب مدينة، وبدأت هناك حكايات مؤلمة عن فساد القضاء والظلم الذي يتعرض له آلاف السوريون في المحاكم لم نكن لنتعرف عليها أو نفكر بها من قبل.

ستة أشهر قضيتها في المعتقل كانت جزاء مطالبتي بالحرية ومشاركتي بالمظاهرات السلمية، فقد أخلي سبيلي في الشهر التاسع2012 بأمر من محكمة الجنايات العسكرية بدمشق، خرجت من السجن وتركت هناك آخرين كثر يعانون أضعاف ما عانيت دون أن يسمع صوتهم أحد، ينتظرون أن يفتح لهم باب الحرية.

تابعنا على تويتر


Top