وأنا حلمي ميغ.. دوشكا.. سكود..أطفالنا والسلاح

عنب بلدي – العدد 62 – الأحد 28-4-2013

6بيلسان عمر

عاش أطفالنا في الفترة الأخيرة الكثير من المشاعر المتضاربة ما بين الإحساس بفقدان الأمان والخوف الشديد من طلقات النار وأصوات القذائف والصواريخ والطيران الحربي، ومشاعر الفخر بما فعله آباؤهم من المشاركة بالتظاهرات أو المسيرات المؤيدة، أو حمل السلاح والوقوف في وجه الظلم، إضافة إلى مشاركتهم لآبائهم في ساحات التظاهر أو انفرادهم بهذه الساحات بما حملوه من لافتات ورددوا من شعارات مؤيدة للنظام أو معارضة له، وما بين المشاعر الخائفة والفرحة يقف أطفالنا حائرين باحثين عن أسلوب واضح يساعدهم على اجتياز ما مروا به .

وانعكس هذا الواقع على حياة الأطفال اليومية، وعلى طريقة محاكاتهم لأصدقائهم واختيارهم لنمط ألعابهم، إذ التقينا «أبو سالم» صاحب متجر لبيع ألعاب الأطفال، وأخبرنا بأن ألعاب الأطفال هي سوق رائجة في المجتمع بكل أشكالها، إلا أن الأسلحة الخاصة بالطفل هي أكثر شيء مرغوب فيه الآن، بأنواعها كافة فمنها مسدسات الليزر، والأخرى والتي تحمل داخلها طلقات بلاستيكية صغيرة كروية الشكل، ومنها تصدر أصواتًا وفرقعات، وسيارات كالدوشكا مدججة بالسلاح، والكثير الكثير من هذا القبيل.

ويقول عامر (ابن الثماني سنوات)، والذي صادفناه أثناء حديثنا مع بائع الألعاب، «أنا بحب بابا وماما كتير وبخاف عليهم لهيك بدي أشتري بارودة أدافع عنهم لأنو كل يوم في مداهمات بحارتنا واشتباكات بين الأمن والجيش الحر، ولما أكبر بدي صير طيار ويصير عندي أكبر طيارة ميغ».
أما محمد فقد أصيبت عيناه بحجارة عندما كان يلعب في الحارة إذ كانت لعبته المفضلة مع الأولاد «النقيفة» وهي عبارة عن قطعة جلدية سوداء تلف داخلها الحجارة وتربط بمطاط، ويحرك الطفل المطاطة جيئة وذهابًا حتى تخرج الحجارة منها وتصطدم بعاثر حظ تلقاه أمامها، و «نلعب متقاسمين الأدوار بين مؤيد ومعارض، ليسجل كل واحد عدد الأهداف التي أصابها في نهاية اليوم.»

أما أم فراس فتقول «إن ابني فراس (ابن السابعة) كان مولعًا بالطائرات الورقية وكنت أصنع له منها الكثير، وكان يطلق عليها أسماء محببة من أفلامه الكرتونية، والآن أصبح شغله الشاغل ملاحقتي في المنزل كي أصنع له واحدة تلو الأخرى، وصوته يملأ المنزل (يا طيارتي طيري طيري  واضربي ع القصر الجمهوري)، فبدلاً من امتلاكه الألعاب المنمية للذهن، أصبح (المسدس، البندقية، السيف، الدبابات) وباقي ألعاب الأسلحة هي كل ما يعرفه عن لعب الأطفال، وبدلًا من احتضاننا أولادنا وقت القصف، أصبحنا نلهث وراءهم كي يعودوا أدراجهم ولا يلاحقوا مكان سقوط القذيفة أو الصاروخ بأعينهم.»

أما في الحارات والأزقة حيث يلهو الأطفال ويقضون وقتهم مع أصوات القصف، أصبحت ألعابهم محصورة بين تصوير مشهد إعلان انشقاق، أو قتل أحد أصدقائهم واعتقال آخر، أو اختطاف شبيح وأسره، ومنهم من يمثل دور الطبيب المسعف الذي يجلس جاثيًا أمام صديقه الممدد أرضًا ليضمد جراحه، ويخرج الرصاصات والشظايا من جسده، وكثيرًا ما يجلس الأطفال على الأرصفة -أو ما تبقى من أرصفة بين الركام والأنقاض- يعقدون مؤتمرات للخروج بأطفال البلدة من الأزمة التي يمرون بها، مجسّدين دور الفريقَين المتخاصمَين، إذ تقول «أم رامي» نجوت بأعجوبة من أيدي قوات الأسد على أحد الحواجز الأمنية، إذ سأل عنصر الأمن ابني «شو عمو أنت بتحب الجيش الحر أو النظامي»، فأخبرهم ابني وهو يضحك فخرًا «أنا بحب الجيش الحر، وهي البارودة متل تبع بابا، وبابا عنده بالبيت مسدس ورصاص كتييييير، وبارودات كتار طمرهم بجنينة بيتنا وووو»، ليبدأ مسلسل التحقيق مع الأم منتهيًا بإجبارها على الاتصال بزوجها كي يحضر إلى الحاجز، وإلا تم اعتقالها هي وابنها، وبالفعل حضر الأب وتم اعتقاله، وهو الآن مغيّب خلف القضبان.

وعلى الضفة الأخرى كان حامد (ابن الحادية عشرة)، يقف جانبًا في إحدى تظاهرات الأطفال يتتبع خطاهم، وعندما سألناه لماذا لا تشاركهم فأجاب: «أنا مؤيد ماني معارض متلهم… وما بحب الجيش الحر… وبحب بشار… وما بدي بابا وماما وأخواتي يموتوا لهيك بدي أبقى أحب بشار… وكمان رفيقي وائل ما بحب لا الجيش الحر ولا النظامي لأنهم بيقتلوا الأطفال ودمروا بيتهم واعتقلوا أبوه وعمه.. ومات رفيقه بصاروخ نزل بالمدرسة»
هكذا أصبح حال أولادنا يتقمّصون أفكارنا، يعتمدون التصنيف منهج حياتهم، ويتمّسكون بالسلاح كحل وحيد لنجاتهم.

تابعنا على تويتر


Top