صرخات المواليد الجدد… بنكهة جديدة من الألم

عنب بلدي – العدد 63 – الأحد 5-5-2013
6
أصوات أقدام تدب على الأرض وكأنها حمر مستنفرة تزيد من تسارع دقات قلب ولاء، التي لم يمض أسبوع على ولادتها، وكلما اقتربت أصوات دبيب الأقدام ازداد نزفها وألمها وتعالت صرخات طفلها ذو العام والنصف مع تعالي أصوات شباب حارتها «هربو يا ناس من الحارة، الشبيحة دبحو ولاد أم علي وحرقو البيوت والعالم فيها..» تمكنت ولاء من النزول من سريرها بعد معاناة وحملت مولودتها وخرجت، استدارت نحو الخلف كأنها نسيت شيئًا، هو طفلها الواجم خلفها، أمسكت بيده وأخبرته بأن يتعلّق بثوبها ولا يتركها.
في الخارج صراخ وعويل وحشود من الناس وكأن يوم الحشر قد حان وسيارات تغص بالهاربين من نصل السكاكين وأطفال يتراكضون هنا وهناك. ركضت وهي تفكر «إن أفلت مني محمد فسيتابع ركضه وربما عثر عليه أحد أولاد الحلال فأخذه إلى مكان آمن، لا أقو على حمل نفسي لأحمل طفلين» واجتازت شارع المعضمية باتجاه داريا حيث منزل جدها ووصلت بعد ساعات لتكتشف بعد أن عادت إلى وعيها أن خيوط جرحها قد تفتقت جميعها ونزفت بشدة وبأن طفلها بقي معلقًا بثيابها طيلة الطريق حتى أتى «ابن حلال» وأوصلهم «بشاحنته» إلى هناك.

لم تكن ولاء الوحيدة التي شارفت على الموت هربًا من نصل السكين، فهالة شارفت على موت من نوع آخر حين قدر لها أن تضع مولودها الأول ليلة «الجمعة العظيمة» حين شهدت داريا سقوط أول ثلاث شهداء وحاصرتها قوات الأمن وفرضت حواجز في كافة شوارعها في نيسان 2011. لن تنسى هالة كيف امتنعت طبيبتها الخاصة عن الذهاب معها للمشفى خوفًا من الرعب الذي يسكن شوارع المدينة وكيف قررت أخيرًا الذهاب معهم إلى المشفى الوحيد الذي فتح بابه لهم، كانت هالة بحاجة لعملية قيصرية لتعسر ولادتها ولكن المشفى بطولها وعرضها خلت من كل كادرها إلا ممرضة واحدة، فكانت العملية مستحيلة لأن طبيب التخدير لم يتجرأ على الخروج من منزله ورجال الأمن يجوبون شوارع المدينة كخلية نمل، وخرج طفل هالة للحياة في ذاك اليوم العصيب بعد ساعات من المعاناة وبجهد الطبيبة التي أضطرت لتخديرها وإجراء عملية بسيطة لها بمفردها.

وفي منزلها، لم تقدم هالة «الكراوية»، وهي ضيافة المولود المعتادة، لأن أحدًا من المهنئين لم يتمكن من زيارتها وبذلك اختفت مراسم الفرح بالمواليد منذ عامين تقريبًا، أما ديمة التي وضعت طفلتها الأولى منذ شهرين تركت «ديارة» مولودها الأول في منزلها حين بدأت الحملة العسكرية الأخيرة على داريا منذ ستة أشهر لتكمل فصول حملها في التشرد من مكان لمكان بعد استهداف معظم المناطق التي نزحت إليها، ليأتيها المخاض وهي في «آخر الدنيا» وتقرر والدتها وزوجها نقلها إلى العاصمة رغم كل المخاطر خوفًا من تعرضها لحالات طارئة وهي تضع مولودها في منزلها. وكانت الرحلة إلى دمشق، عشرات الحواجز وطوابير من السيارات تصطف عند كل نقطة تفتيش، وديمة ترى الموت بين عينيها مع اشتداد آلام المخاض حتى وصلت أخيرًا إلى المشفى، لتتعسر ولادتها يومها من هول ما رأته على الطريق. وعادت ديمة  إلى «بيت النزوح» تحمل بين ذراعيها طفلتها الأولى وتحمل في نفسها حسرة عودتها إلى مدينتها وتشتاق إلى ديارة طفلتها التي انتقتها بعناية طيلة أشهر حملها الأولى والتي احترقت ومنزلها وكل ذكرياتها التي بقيت معششة بين جدران منزلها.

أما عبير التي قدر لها الله أن تحمل بعد ستة أعوام من الانتظار وصلت بها الأقدار إلى بلد مجاور مع زوجها لتبقى في نفسها «حسرة» عدم معايشة لحظات حملها مع والدتها التي تنتظر معها منذ أعوام، فعاشت مراحل حملها لوحدها ووالدتها تنتظر منها هاتفًا لتطمئن عليها وعلى «الببو» وتحرم من شراء «سرير» يليق بمولودها المنتظر منذ أعوام.
هي نماذج عن صرخات مواليد جدد خرجت إلى الدنيا في أحلك الظروف وأقساها محرومة من بيت هانئ ومن أمان واستقرار، مواليد قدّر لها أن تخرج للحياة «نازحة» أو مطاردة لترسم بسمة على وجوه من حولها ولتترك الباب مفتوحًا لأمل جديد بحياة جديدة ملؤها الأمل بالأمان و «سرير» و «ديارة».

تابعنا على تويتر


Top