رمضان الحصار في داريا.. “أصبحنا في المدينة كعائلة واحدة”

13482804_512239478970625_4414701938553533735_o.jpg

أحد أحياء مدينة داريا، 17 حزيران 2016(المجلس المحلي في داريا)

يواظب أحمد أبو ياسر على إيقاظ والدته بشكل يومي قبيل الفجر، لإعداد سحور رمضان، وهو ما اعتاد عليه طيلة أربعة أعوام، أي منذ ابتعاده عنها مئات الأمتار فقط.

الاتصال اليومي لـ”أبو ياسر”، ذو الـ 27، عامًا، يعدّه واجبًا ضروريًا ليخفف آلام الفقد على والدته، التي حجبتها المعارك عن رؤية فلذة كبدها المحاصر في داريا.

ويعمل الشاب مسعفًا في المشفى الميداني في مدينة داريا، ومايزال يحلم بالعودة إلى حضن والدته، إذ تحدث إلى عنب بلدي بمرارة تظهر في وجهه وتلعثم لسانه، “لا أستطيع مواساة أمي التي ينفطر قلبها على بُعد أبنائها سوى بجملة: سيجمعنا فطور قريب إن شاء الله”.

اضطر شقيق “أبو ياسر” للسفر منذ مطلع الثورة، بسبب ملاحقته من قبل الأجهزة الأمنية، أما شقيقه الأكبر فهو معتقل منذ مجزرة داريا الشهيرة قبل أربعة أعوام، ولم تسمع عنه عائلته أي خبر منذ اعتقاله.

وتابع الشاب الداراني “في كل يوم يتكرر الحديث نفسه مع أصدقائي، والذي قد يطول لساعات دون أن نشعر أو يصيبنا الملل، فيروي كل منا سيرته الأولى قبل الحرب، وكيف كان رمضان جامعًا للأهل والأحبة، لنتفق جميعًا أننا كنا ملوكًا في حضرة الأهل وأتت الحرب ودمرت كل شيء”.

ابتسامة ساخرة ونظرة فيها غضب، كان رد الفعل الأول لـ”أبو ياسر” لدى سؤاله: هل ندمت على خروجك بالثورة إذن؟، مجيبًا “هناك من يقول إن كل ما نحن فيه سببه الثورة، ونسوا المسبب الرئيسي الذي أوصلنا إلى هذا الوضع، فالثورة نادت بالحرية ولم تنادِ بالقتل والتدمير، وما جعلها مسلحة هو رد فعل طبيعي لجرائم وانتهاكات النظام”.

حالة الفقد التي عانى منها محاصرو داريا طيلة شهور طويلة، خفّف آثارها الجو العائلي لمن تبقى فيها، وفق ما روى ثائر أبو محمد ذو الـ 40 عامًا، وقال إن “بعدنا عن أهلنا تعودنا عليه، ومع طول الحصار أصبحنا في هذه المدينة كعائلة واحدة، ولعل أكثر ما يؤلمنا في شهرنا الكريم هو أننا نفتقد لإخوة عشنا معهم حلاوة ومرارة الأيام، استشهدوا خلال معركتنا مع النظام.. فهذا الشهر ذكّرنا بكثير من الإخوة استشهدوا خلال العام الماضي”.

“في كل يوم يختلط مذاق طعامنا بغبار البراميل التي تنهمر علينا، حيث اعتمد النظام عقاب داريا في وقتي الفطور والسحر”، يلخّص أبو محمد الواقع داخل داريا.

ولا يخفي الرجل الداراني استياءه من عدم تقدير أوضاع المحاصرين، “الكثير من أصدقائنا في الخارج مازالوا يتباهون بموائد الإفطار ونشر صورها على فيس بوك، بينما ينشر المحاصرون داخل المدينة صور إخوانهم الشهداء ولحظات سقوط البراميل والقصف”.

تغيير جذري في العادات الرمضانية شهدتها داريا، إذ يشكو ثمانية آلاف مدني تبقوا فيها حرمان المسجد، وصلاة التراويح، التي ألغيت عقب احتراق مسجد المدينة الوحيد المتبقي، جراء استهدافه من النظام السوري.

كذلك لم يعد هناك ما يستدعي وجود “السكبة”، التي اعتادها أهالي داريا قبيل الحصار، عندما تشتهي العائلة أن تطعم جيرانها من طعامهم، فالأمر اليوم مختلف، باعتبار أن جميع من تبقى هم ذوو سوية معيشية واحدة، يتناولون ذات الطعام المتوفر في ظل الحصار، بحسب ما ذكر الناشط الإعلامي محمد أبو عمرو.

كل ما سبق لم يمنع الأهالي من إقامة الموائد التشاركية بين الجيران، تعزيزًا للألفة والمودة في الشهر الكريم، عززها الوضع المعيشي الواحد والمصير المشترك، كما عبّر أبو عمرو.

نحو ثمانية آلاف مدني هم من تبقى من سكان مدينة داريا، يصومون هذا العام رمضانهم الرابع، في ظل الحصار الذي اخترقته جزئيًا قافلة غذائية قبل أيام، وتحت رحمة براميل متفجرة أصبحت اعتيادية منذ عامين.

زين كنعان- داريا

تابعنا على تويتر


Top