الثائر الصامت الشهيد عبد الباسط مطر

عنب بلدي – العدد 64 – الأحد 12-5-2013
7
عبد الباسط ابن داريا الذي رأى نورها، واستظل بعرائش عنبها البلدي عام 1982م، تخلف عن الدراسة ليلتحق بمهنة والده في الزراعة، لمساعدة الأسرة في تأمين مستلزماتها، ثم تعلم مهنة الخياطة والتزم بها، ليعمل خيّاطًا لمدة عشرة أعوام، متعلمًا من مهنته الصبر ودقة القياس وحسن التقدير.

أسس ورشة لخياطة الملابس الرجالية مع شريكه، واستقطبا فيها العمال الأيتام.. لم تكن مجرد مكان لإنتاج الملابس، وتكديس الأرباح، بقدر ما كانت مدرسة أخلاقية اجتماعية، إذ كانوا قلبًا واحدًا، وروحًا واحدة، تقول إحدى قريباته التي زارته عدة مرات.
وتضيف: كلما راودني طيف الشهيد تذكرت قول الرسول الكريم «عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله»، نعم.. لقد حضرت تلك العينين، حضرتهما تذرفان دمعًا كلما لاح أمامهما مشهد ظلم في بلادي السليبة، وكثيرًا ما ردد: «ليس في نيتي القتل، بالرغم من أنه أوجعني دم الشباب المتنور المهدور على أرض الوطن، وأفزعني غياب شمس الحق عن بلدي، وراعني استخدام الدين أداة لتمرير الكثير من المراسيم والتشريعات التي لا تمت إلى الدين الإسلامي بصلة، آلمني استغلال الضعفاء على هذا النحو، وتبجيل الأغنياء».

كثيرًا ما تواجد عبد الباسط في التظاهرات النسائية، وكان يجلب لهن ما يطلبن من مستلزمات، مؤكدًا وفي كل مرة صدق نهجه، ورغبته الجادّة في مشاركة المرأة في ثورة الكرامة السورية. تقول قريبته: حدثته مرة، وكان محور حديثنا عن واقع الشباب اليوم، وسر تخلف العرب –إن صح التعبير، وقد أخبرني يومها «إن الحرية لا توهب من أحد، ولن نطلبها من النظام، وليس ذنب الشباب العربي أن يخلقوا في بيئة يسودها الفساد، وهاهم الآن يجتهدون ليصوبوا الخطأ، وسنبقى نشد على أيادي بعضنا لنرى عين الحقيقة والحق تسطع مع شمس بلادي، فالحرية -في فكره- أن تعرف ما لك فتعمل جاهدًا لتحويله إلى واقع تعيشه، وأن تعرف ما عليك فتعمل جاهدًا كذلك لتقديمه برضا وقناعة.

أما أخت الشهيد فقالت: عرفته بالثائر الصامت، إذ قليلًا ما تحدث عن السياسة والثورة بالرغم من أنه لم تفته مظاهرة أو تهنئة لأهالي الشهداء، أو الوقوف مع أهالي المعتقلين، لم أكن  أعلم أنه قد باع نفسه وماله في سبيل الله، فلم يقبل لنفسه أن يبقى على السطح، إذ لا بد من الغوص إلى القاع، عدته عندما أصيبت رجله اليمنى، وحملت إليه صورة حلم حياته -ابنه عمر والبالغ من العمر لحظتها أربعة أشهر- إذ لم يره إلا مرة واحدة لحظة ولادته، رجوته أن يخرج من داريا من أجل ابنه، فكان جوابه من صوت موجوع، «لو كان بمقدوري أن أهبه الحياة، لوهبتها لكل طفل أخذ والده على عاتقه الجهاد في سبيل الله، لكن استودعته كما استودع إخوتي في الله أبناءهم عند رب عادل لا تضيع عنده الودائع».

وتتابع الأخت المكلومة وبغصة: لا زلت أذكر بدقة ذلك اليوم الذي بعثوا لنا أغراضه، حاملين إلينا بشرى استشهاده في يوم الجمعة، الثامن عشر من كانون الثاني 2013م، وكان قبيل استشهاده يكلمني ويقول لي «ادعو من قلبكم… البناء انهار والجثث في القبو… عم ننتشل الجثث وما عم نلحق شغل… الله يفرجها ويصبر الأهالي».. ثم كلّم زوجته ليطمئنها عن حاله، فانقطع الاتصال فجأة، لتعتقد لحظتها أنه نزل إلى القبو متابعًا عمله، ولكن يقطع اعتقادها اتصال آخر يهنئها باستشهاده جرّاء استمرار القصف في المكان، لينبعث في صدورنا أمل جديد بلقاء مبارك في فردوس الباري، لم نستطع أن نحبس دموعنا، فاضت عيوننا بقدر ما فاضت قبلها القلوب من المحبة، ثم بحثت متعبة عن وصيته فلم أجد سوى ورقة كتب عليها بخط يده دعاء طويل يرجو فيه الله عز وجل أن ينظر بعين الرحمة لأطفال جعلناهم يدفعون ثمن أخطائنا بأيدينا، وأن يتقبل عمله خالصًا لوجهه الكريم.

تابعنا على تويتر


Top