الطفولة بين الثورة والمستقبل

عنب بلدي – العدد 66 – الأحد 26-5-2013
حنان اللكود
3
بوجه مصفّرٍ وقدمان صغيرتان ترتعدان خوفًا، ركبت فاطمة في السيارة فوق أربعة أشخاص زحموا أنفاسهم سوية وغادروا البيت مسرعين قبل أن تصلهم قذيفة تذهب بهم جميعًا
عيونها ترقب كل ما يحدث حولها، وذاكرتها تسجل الصور، وتستقي شعورها بالأمان من عيني والدها الذي يرتجف خوفًا عليهم.
وصل يزن إلى مطار القاهرة وهو يقرأ في عيون كل من نزل معه من الطائرة أنهم سوريون مهجرون مثله، ومعهم الكثير الكثير من الأطفال، قالوا له أنه أصبح في مكان آمن ليس فيه أصوات القصف والرشاشات وليس فيه بيوت مدمرة ولا اعتقال ولا عناصر مسلحة تهدد أباه عند كل حاجز، لا يعرف بعد هل سيرى أصدقاءه مجددًا؟

جلست كريمة ذات الثلاثة عشر عامًا أمام موقد النار تحرك الطعام بالملعقة الكبيرة وقد استقر نظرها على نملات تجيئ وتروح، وتذكرت درس القراءة في كتاب لغتي الجميلة عن النملة الشجاعة، وتخيلت نفسها نملة عملاقة تأكل المجرمين دفعة واحدة ثم تنتبه عندما تصرخ فيها أمها أن انتبهي ألا يحترق الطعام. كريمة تسكن في مزرعة بعيدة عن السكن، لا كهرباء ولا غاز ويطبخون طعامهم على النار.
يركض معتز نحو سيارة الإغاثة في المخيم وهو يتسابق مع بقية الأطفال في تحصيل أكبر كمية من الأكياس! وقد خبر أسلوب التزاحم من أجل كيس الأرز أو علبة المرتديلا

حمل عماد سلاحه منتصبًا، وبدا رجلًا كاملًا مع بدايات ظهور شاربه وذقنه! ولكنه مازال طفلًا بأربعة عشر ربيعًا، يتمنى لو أنه يدرس الآن الرياضيات التي كان يكرهها!
عقدوا قران تهاني منذ سنتين، لتصبح مطلقة الآن وقد أتمت السادسة عشرة من عمرها، فما استطاع العريس أن يتحمل استهزاء أقاربه به أنه سيرتبط بخطيبته المهجرة التي تسكن في مركز إيواء !
جلس أربعة من الأطفال يرقبون شجار عمهم مع زوجته وقد كانوا عبئًا ثقيلًا على العائلة الكبيرة، بعد أن استشهد والدهم ووالدتهم في حادثة قصف الفرن.

قد نقرأ هذه الصور ونحوقل داعين لهم بالفرج والسلامة، ولكنها تحمل في ثناياها مستقبل جيل من الأطفال ترك المدرسة وذهب في غياهب المجهول، راقب المسلحين يخطفون والده، وضربه عنصر الأمن على رأسه عندما دخل ليسرق بيته، ورأى الدموع في عيني أمه والقهر في قلب أبيه، والرعب في وجه أخته!
كيف هي صورة المستقبل في ذهن هذا الطفل؟ هل يمكنكم تخيل عمق المشاعر التي عاشها في هذه الظروف ولم تجد منفسًا لتخرج من كيانه بسلام، هل نتوقع جيلًا عنيفًا؟ هل نتوقع جيلًا حقودًا؟ هل نتوقع جيلًا منكسرًا؟
إن جيلًا من الأطفال عاش -حتى الآن- ثلاث سنوات من الخوف والجوع والعنف والتهجير والتشرد، يحمل في مستقبله مخاطر وتحديات إلى جانب ملكاته ومواطن قوته.
لنعمل معًا على استثمار مواطن قوة أطفالنا لتجاوز ما خبروه، والبناء عليه من أجل مستقبل سلام وعدل وحرية وكرامة.

تابعنا على تويتر


Top