الأزمات .. والإرهاق الناتج عن الصدمة النفسية عند الأطفال (1)

عنب بلدي – العدد 66 – الأحد 26-5-2013
هوشيار – قامشلو
4
لا يختار الإنسان المكان الذي يتواجد أو يعيش فيه، كذلك حياة الإنسان مليئة بالمواقف والظروف التي لا يمكن له تجنبها، وذلك يحتم على البشرية المرور بصراعات تحمل أحداثًا مأساويةً تفوق قدرات البعض على التحمل، الأمر الذي ينعكس إلى أعراض ومؤشرات خاصة، يستدل بها على تمكن الاضطراب من الإنسان، ولا يخفى علينا أن الأطفال هم الشريحة الأكثر تعرضًا لمخاطر الأزمات والكوارث والحروب، وهم الأكثر تأثرًا بنتائجها السلبية، لأنهم الأضعف في البنية الجسدية والنفسية والفكرية، وبالتالي الأقل قدرة في الدفاع عن وجودهم كأطفال صغار.
ربما كان الكلام النموذجي هو أن نخوض حديثًا عن  أساليب وقاية وحماية الأطفال في الكوارث، ولكن ليس دائمًا تجري الرياح بما تشتهي السفن، فتحييد الأطفال في ظروف وصراعات الكبار قلما نجح أو قلما تمكن الكبار من تحقيق تحييد شريحة الأطفال وإبعادهم عن أجواء الحرب، والذي يعرضهم لألوان المخاطر بما فيها الصدمات النفسية، بسبب الأنواع المختلفة من الظروف الشاذة والاستثنائية كمشاهد ومواقف العنف والتعذيب والقتل والدمار، والتي  تتطور فيما بعد لأعراض ومشاكل تعكر براءة وهدوء الطفولة.

في هذا السياق يكون مناسبًا أن نعرّف الصدمة النفسية حسب عالم النفس فيكتور فرانكل، إذ عرفها بـ «رد الفعل غير الطبيعي تجاه موقف غير طبيعي، بالتالي هو رد فعل طبيعي».
بعد مرور فترةٍ زمنيةٍ من تعرض الطفل لمشاهد العنف أو الصدمة، يجد الطفل نفسه يعاني من مجموعة من الردود والاستجابات (الأعراض)، والتي  تختلف شدةً ونوعًا حسب مراحل الطفولة، بدءًا  بالمخاوف والأفعال القهرية والمشاكل الجسمية والكوابيس والحزن الشديد والغضب، وانتهاءً باللامبالاة والبلادة.

تعبر هذه الأعراض عن نفسها في مواقف مختلفة سواء كانت بالكلام، أو في تعابير الأطفال الرمزية كالرسم والألعاب، فالطفل لا يعبر غالبًا عن تعرضه للصدمة بشكل مباشر وإنما يوصل الرسالة من خلال ممارسة لعبة يحاكي فيها ما شاهده في واقعة الصدمة، أو في رسمة يرمز من خلالها إلى ما يجري في داخله من صراعات وآلام تثقل كاهل طفولته المتعبة.
وتترك الصدمة النفسية تأثيرات تختلف طبقًا لمجموعة من المتغيرات المتعلقة أولًا بـ»الصدمة» ومدى شدتها ومدتها وثانيًا بالطفل وبنيته الفسيولوجية (الوراثية)، وشبكته النفسية ومدى قوة ما يحيط بها من طبقات الوقاية  الثلاثة (قدرات الطفل، تفاعلاته الأسرية الداعمة، العلاقات الاجتماعية المساندة).

فبعض الأطفال تحالفت المتغيرات لصالحهم، فهم أطفال مقاومين للضغوط نظرًا لأنهم مروا بخبرات مشابهة، مهدت لهم استيعاب التجارب اللاحقة، والبعض الآخر يتميز بقوة شخصية وذكاء تترابط في نفس الوقت مع شبكة أسرية واجتماعية حاضرة ومتينة تحمي فردها وتخفف وقع التأثيرات السلبية وتسهل المرور فيها.
والعكس صحيح فالبعض تتشابك الظروف وتتآزر ضدهم، فالصدمة تكون قوية ومتعددة الجوانب والطفل يكون هشًا بالأساس ويعاني مشاكل سابقة، فتأتيه الصدمة وتزيد من هشاشته.

تابعنا على تويتر


Top