أم الدنيا… تحتضن السوريين وتعمّق أوجاعهم

عنب بلدي – العدد 73 – الأحد 14-7-2013
8
رجلٌ طاعنٌ في السن يقف في نهاية الطابور، ممسكًا بيد طفلةٍ لا يتجاوز عمرها الست سنوات، بدا الإرهاق على وجهها الطفولي البريء، أمام أحد الجمعيات الخيرية المعنية بشؤون اللاجئين السوريين في مدينة العبور في القاهرة.
اقتربنا من الطفلة وسألناها عن سبب وقوفها بين هذه الجموع، فسارعت سهى بالإجابة: «جدي قال لي إنهم يساعدون الفقراء هنا، ويقدمون لهم ألعابًا جميلة… إذا بدك تعي وقفي معنا وخدي شغلات حلوة»، لكن جدها «أبو محمد» يقطع حديثنا، قائلًا أنه قدم منذ أشهرٍ إلى مصر بعدما أُعدم أولاده الثلاثة، وزوج ابنته رميًا بالرصاص خلال اقتحام منزلهم في ريف حلب الشمالي من قبل قوات الأسد، وبقي وحده مع ابنته وحفيدته الصغيرة فقرر الهروب بهما. ويقول الجد الذي يقف يوميًا في الطابور بصوت مخنوق «يا بنتي يلي بيترك أرضو بينذل، ما في أرض بتحن عليكي متل أرض بلادك».
وتضطر ابنة أبو محمد للعمل في أحد معامل النسيج لتساعد العائلة في دفع أجرة الشقة التي يقطنونها كما يقول.

لا توجد إحصائية رسمية توضح العدد الحقيقي للسوريين الذين قدموا إلى مصر منذ بدء الثورة السورية، لكن التقديرات تشير إلى أن عددهم قد تجاوز الـ 150 ألف لاجئ تمركزوا بكثرة في مناطق رئيسية كـ «6 أكتوبر، العبور، العاشر من رمضان، وعين شمس، وبرج العرب».
عائلة سورية أخرى قدمت إلى مصر مؤخرًا، فتعرض طفلهم ذو السنتين لحادثة اختناق بعد أسبوع من وصولهم، لكن المشفى رفض استقبال الطفل قبل دفع مبلغ الضمان كما يقول الوالد، الذي قضى أكثر من ساعة في الطريق إلى المشفى وهي المسافة التي تفصله عن مكان إقامته.
«رح يموت الولد» جملة رددها كثيرًا، وكان الرد يأتي في كل مرة: إدفع مبلغ التأمين «دي قوانين المشفى»، ويضيف الوالد «دفعت كل ما أملك من مال لأدخل ابني المشفى، وأنا الآن بلا عمل وبلا مال… أنتظر المجهول».

أما أم خالد فقد قدمت إلى القاهرة منذ أشهر خوفًا على بناتها، بعد أن فقدت الأمل بخروج زوجها المعتقل منذ قرابة عام ونصف، تقول أنها خرجت من سوريا بعد أن «تعرضت للكثير من المواقف الموجعة، وكنت في كل مرة أضطر للنزوح مجددًا -برفقة بناتي- هربًا من  قصفٍ أو مجزرة»، ثم وجدت نفسها مضطرة للسكن في شقة في إحدى المساكن التي تفتقر إلى الكثير من الخدمات، وتقول أم خالد أنها تضطر للسير مسافة طويلة للوصول إلى المواصلات، والذهاب إلى السوق لشراء الحاجيات الأساسية للعيش، وهي ترجو «كل يوم أن تكون العودة إلى الوطن قريبة»، منتظرةً سماع خبرٍ مفرح عن زوجها المعتقل.
اللاجئون الفلسطينيون الذين فروا من سوريا إلى مصر، يعانون أيضًا، فطارق شابٌ «فلسطيني الهوية سوري الهوى» كما يقول، فقد ولد في سوريا وكبر فيها وأحبها كما لو كانت وطنه الأم. درس في كلية «الطب البشري» في جامعة دمشق، قبل أن تعتقله قوات الأمن في السنة الجامعية الأخيرة، وبعد اعتقال دام لشهور قدم إلى مصر «خوفًا من تكرار التجربة المؤلمة»، ويقول أنه حاول جاهدًا أن يكمل تحصيله العلمي لكن هذا «أمر ٌ محال»، فالامتيازات التي منحتها الحكومة المصرية للطلاب السوريين -بمساواتهم بالطلاب المصريين-، لم تمنحه لـ «اللاجئين الفلسطينيين، الذين شاركوا السوريين في الألم والمعاناة وعاشوا معهم تحت وطأة الظلم». ويضيف طارق «لكي أتابع دراستي يجب أن أدفع مبلغًا كبيرًا قدره 37000 جنيه (5000 دولار)، إذ يعامل الطالب الفلسطيني معاملة الطلاب الأجانب، ولهذا «انتهى بي الحال من مشروع طبيب إلى عاملٍ في محل لبيع الألبسة».

قرروا الرحيل بحثًا عن الأمان وعن عملٍ يؤمن لهم قوت يومهم، بعد أن ضاقت بهم الحال، فلم تعد أرض الوطن -على اتساعها- تتسع لهموهم؛ لكن صعوبات كثيرة واجهها اللاجئون السوريون في مصر، التي تعاني من مرض البطالة، وانخفاض أجور العمل –إن وجد-.
هذا هو حال الأسر السورية اليوم، منهم من انتهى بهم الأمر في أحد مخيمات اللجوء في تركيا أو الأردن أو لبنان، ومنهم من اختار وجهته للبلد الأكثر احتضانًا للاجئين السوريين «مصر»، لكنهم لم يختاروا هذا المصير بإرادتهم، وأحلامهم مازالت معلقة بأرض الوطن، لعل الأقدار تعيدهم إليه، وتطوي حكايات الألم.

تابعنا على تويتر


Top