مائدة طبخت بنار الشوق

عنب بلدي – العدد 75 – الأحد 28-7-2013
5
بوجوه شاحبة بدأت العائلة بتناول سحورها في رمضان، وكل منهم يحاول جاهدًا إخفاء حزنه علّ الليلة تمرّ بسلام، لكن أم محمد غصت وجلست شاردة الذهن تستعيد ذكريات سحورٍ اعتادت تمضيته في داريا مع أولادها فتقول «اشتقت لمحمد، تذكرت كيف كان يعذبني بالفيقة على السحور».
غادر ثلاثة من أبناء أم محمد الستة البلاد، ووصل ابنها البكر قبل أشهر إلى مصر هربًا من الخدمة العسكرية الإلزامية في جيش الأسد، ولحق به مؤخرًا أخوه «مروان» وأخته «آمنة».
وجدت أم محمد نفسها على اتصال مع ابنها أجرته لها ابنتها التي بقيت معها، لكنه بادر بالكلام قبلها «شايفة يامو رح ئضي رمضان بلاكن»، فأجابته «الله يرضى عليك» ولم تستطع متابعة الكلام فأنهت المكالمة والدموع تملأ عينيها.
لم تكن أم محمد وحدها على هذه المائدة تتحرق لرؤية ابنها، فسلفتها أم دياب لم تكن بحال أحسن «بقيت أنا وهالرجال بعد ما كان البيت ما يسعنا، وولاد ولادي عم يركضوا حوالينا»، فأولادها الأربعة سافروا إلى دول مختلفة «الصبيان بليبيا، والبنات بلبنان», لكن حرقتها على ابنها «عمر» الذي انقطعت أخباره منذ الشهر الثالث غلبت شوقها للبقية، إذ التحق بالخدمة الإلزامية في الجيش السوري النظامي، بعد أن أنهى دراسته بكلية الاقتصاد، وبعد أشهر من بدء الثورة أراد عمر الانشقاق عن جيش الأسد لكن أهله منعوه «مالنا قدن وإذا انشق ما بيتركوه ولا بيتركونا»، إلى أن فُقد خلال اقتحام لمدينة دوما.

ولم تستطع أم دياب تناول أي لقمة، وزوجها يقول صارخًا في وجههاٍ: «كلي بكرا النهار طويل»، لكنه أخفى ما يعانيه أيضًا من غياب ولده «المدلل».
تذكرت أم محمد أن ابن أختها يقاتل مع الجيش الحر في داريا وهي تبكي تارة وتدعي الله تارة أخرى على مائدة أصبحت مرتعًا لهمومها، فاتصلت مع أختها لتطمئن على حالها «شلونك أم حسن» فأجابتها بصوت مخنوق وكلمات أضاعت أحرفها: «الحمد لله شلوني يعني مبسوطة كتير!»، لتبدأا مواساة بعضهما.
وأخبرت أم حسن أختها أن أنواع الطعام المتنوعة والفاخرة التي طالما كانت من اختيار حسن «الله يخليلي ياه ويحميه» في رمضان، ستقتصر على ما يتوفر في المدينة المحاصرة منذ ثمانية أشهر، بعد أن شاهدت ما نشره ابنها عشية رمضان على حسابه في الفيسبوك عن شباب المدينة الذين «لا يأكلون إلا ما قسم الله لهم ليقوموا بعدها ويدافعوا عن دينهم».
حسن كان قد انضم إلى الجيش الحر بعد الاقتحام الأخير لمدينة داريا، بعد أن فشلت محاولات أمه باستجداء عاطفته -فهو بكرها ووالده متوفى-.
وتردف أم حسن «اليوم حكيتو وبكيت، ئلتلو طلاع اقضي رمضان معي ما رضي… بعد شوي بعتلي رسالة، مابدي شي من الدنيا غير بوس ايدك».
من جهتها أم سامي –شقيقة أم محمد وأم حسن- ترفض الحديث مع أحد، فقد اعتقل ابنها الوحيد سامي قبل أسبوعين يوم زفافه في طريقه لإحضار زوجته، فبعد أن كانت تحضر لرمضان مع «العروسين» بقيت لوحدها.
تقول أم محمد «لا شيء سيعوض أمهات السوريين عن غياب أبنائهن، سوى رؤيتهم في أحضانهن من جديد»، مشيرة إلى أن عزاءها الوحيد أن « كل الأمهات في سوريا بكين على مائدة السحور».

تابعنا على تويتر


Top