المسلسلات التاريخية السورية.. ذاكرة الدراما والتاريخ ضائعة في سباق “الترند”

الفنان السوري سلوم حداد في مشهد من مسلسل (الزير سالم) - 21 تشرين الأول 2024 (آرتس ميديا/ يوتيوب)

camera iconالفنان السوري سلوم حداد في مشهد من مسلسل (الزير سالم) - 21 تشرين الأول 2024 (آرتس ميديا/ يوتيوب)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – أمير حقوق

شكلت المسلسلات التاريخية السورية، على امتداد عقود، ركيزة أساسية في بناء صورة الدراما السورية عربيًا، وأسهمت في ترسيخ مكانتها كدراما جادة وعميقة، ومتصالحة مع التاريخ بوصفه مادة فنية ومعرفية في آن واحد.

وتميزت هذه المسلسلات بقدرتها على تقديم التاريخ لا كوقائع جامدة، بل كحكايات نابضة بالحياة، تتقاطع فيها السياسة بالفكر، والسلطة بالمجتمع، والفرد بالتحولات الكبرى.

من أبرز هذه الأعمال: “الزير سالم”، “صلاح الدين الأيوبي”، “ربيع قرطبة”، “صقر قريش”، “ملوك الطوائف”، إذ لم تكتفِ بإعادة سرد الأحداث، بل قدمت قراءات درامية معمقة للتاريخ العربي والإسلامي، مركزة على صراع القيم، وسؤال الحكم، والانقسام، والنهضة والانكسار.

توثيق التاريخ الإنساني

أسهمت هذه الأعمال في ترسيخ صورة الدراما السورية بوصفها دراما مثقفة وثقيلة، أعطت بعدًا إنسانيًا قريبًا من المتلقي العربي، ما جعلها تحظى بانتشار واسع واحترام نقدي كبير.

الدراما السورية استطاعت توثيق محطات أساسية من التاريخ الإنساني، بدءًا من مراحل ما قبل الإسلام، مرورًا بالعصرين الأموي والعباسي، وصولًا إلى العصور اللاحقة كالمماليك والدولة الزنكية، إضافة إلى تناولها التاريخ السوري الحديث والقضية الفلسطينية، بحسب ما قاله المخرج زين طيار، في حديث إلى عنب بلدي.

وأضاف المخرج أن هذه الأعمال عالجت التاريخ بحذر، متجنبة القضايا الخلافية التي قد تثير الفتن، وذلك ضمن إطار رقابي مدروس، أسهم أحيانًا في حماية السلم المجتمعي، رغم التحفظات الفنية على الرقابة عمومًا.

الدراما السورية، بالتوازي مع الدراما المصرية، أسهمت في بناء سردية عربية مشتركة حول التاريخ، وتحولت الأعمال التاريخية إلى مرجع ثقافي لدى المشاهد العربي، الذي بات يستند إليها في فهم الأحداث والشخصيات التاريخية، بحسب تعبير طيار.

ركيزة لعدم وجود مختصين

بدوره، قال الكاتب والناقد الفني أحمد السح، إن الرواية التاريخية كانت المادة الفنية الأولى التي استند إليها أي نوع فني، بسبب عدم وجود مادة درامية وعدم وجود مختصين في الكتابة الدرامية، فلجأت كل التجارب الفنية في العالم، وليس في سوريا فحسب، إلى كتب وقصص التاريخ لتقدمها بصيغة بصرية.

وشرح أنه خلال هذه المسيرة شاهدنا أعمالًا بالأبيض والأسود، مثل “انتقام الزباء” عام 1974، وبالملون مثل مسلسل “الذئاب” عام 1989، وهي أعمال كانت تصور داخل استوديوهات، وبالتالي تكاليفها محدودة والقدرة الإخراجية والإقناع البصري محدود ولكنه مناسب لزمنه، إلى أن خرجت كاميرا المخرج الراحل بسام الملا مع مسلسل “العبابيد” عام 1997، مما فتح الشهية للإنتاج والاستثمار في الدراما التاريخية.

وكان مسلسل “الزير سالم” من إنتاج تلفزيون “أبو ظبي” عام 2000 هو العلامة الفارقة في الدراما التاريخية السورية، أضاف السح.

هيمنة الإنتاج القائم على “الترند”

مع مرور السنوات، بدأت ملامح تراجع المسلسلات التاريخية السورية بالظهور، سواء من حيث الكم أو الحضور، لتتحول من عنصر أساسي في خارطة الإنتاج إلى أعمال نادرة ومتقطعة.

التراجع الذي تتمثل دوافعه بجملة من العوامل، أدى إلى غياب أحد أبرز عناصر القوة في صورة الدراما السورية، تلك الصورة المرتبطة بالعمق الثقافي والقدرة على الاشتغال على التاريخ بوصفه مرآة للواقع العربي. ومع هيمنة أنماط درامية أخرى، فقدت الدراما السورية جزءًا من تميزها الذي كان يجعلها مختلفة ومنافسة بقوة على المستوى العربي.

المخرج زين طيار، عزا تراجع الدراما التاريخية السورية إلى هيمنة الإنتاج التجاري القائم على “الترند” و”الموضة”، وتراجع القيم الفنية والأخلاقية، إضافة إلى التركيز على النجم الفرد بغض النظر عن مضمون العمل.

كما أن بعض الإنتاجات القصيرة المخصصة للمنصات الرقمية تقدم المجتمع السوري بصورة سلبية، مبرزة الجوانب الأخلاقية السلبية على حساب القيم الإيجابية.

وذكر أن ارتفاع أجور النجوم والفقر الإنتاجي أسهما في الابتعاد عن الأعمال التاريخية ذات التكلفة العالية، سواء على مستوى الديكور أو الملابس أو المجاميع، بالتوازي مع غياب الكتّاب المتخصصين والمخرجين ذوي الخبرة، مثل الراحل حاتم علي، ما أدى إلى تراجع مستوى هذا النوع من الدراما، في ظل ميل الكتّاب الحاليين إلى الاستسهال، مقابل ما تتطلبه الدراما التاريخية من بحث ودراسة معمقة.

أما الكاتب والناقد الفني أحمد السح فاعتبر أنه لا مشكلة في التراجع في هذه الأعمال من حيث الكم، والسبب مالي دون شك، فرأس المال الخارجي لا يريد الاستثمار في الدراما التاريخية حاليًا، لأنها مكلفة.

الخطير في الدراما التاريخية ليس عدم إنتاجها، برأي السح، إذ يفضّل عدم إنتاجها على إنتاج أعمال بصورة تاريخية ولكنها مشوهة للعقل والفكر التاريخي.

تقديم التاريخ بأساليب عصرية

نقاد الفن اعتبروا أن العودة إلى المسلسل التاريخي، بروح معاصرة ورؤية إنتاجية جديدة، ضرورة فنية وثقافية لإعادة ترميم صورة الدراما السورية واستعادة أحد أهم أسباب حضورها العربي الواسع.

المخرج زين طيار، يرى أن المرحلة الحالية تتطلب وعيًا ثقافيًا وفنيًا من المنتجين، في ظل سيطرة منطق السوق و”الترند”.

ودعا إلى دعم الأعمال التاريخية وتحفيز الكتّاب على البحث الجاد، مع ضرورة تقديم التاريخ بأساليب جديدة تناسب الجيل المعاصر وثقافته الرقمية، على غرار التجارب العالمية في إعادة تقديم النصوص الكلاسيكية بروح حديثة.

بينما يرى الكاتب والناقد الفني أحمد السح أن من يريد التصدي للمسألة التاريخية عليه إعمال العقل لا الاعتماد على النقل من كتب قديمة وكأنها مقدسة، علمًا أن من كتبوها عاشوا في أزمنة ماضية، ونحن اليوم لدينا قدرات فكرية متقدمة ونستطيع استقراء وتحليل ما كتبوه ولا نلتزم بنصوصهم.

وضرب مثالًا على ذلك مسلسل “ثلاثية الأندلس” الذي يتغزل به جمهور لم يقرأ كتابًا واحدًا عن تاريخ الأندلس، وبهذا يمكنك القياس على الدراما التاريخية السورية التي لا تشكل نسبة 2% من الإنتاج الدرامي السوري ككل.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة