كيف يؤثر غياب الأب على سلوك الأطفال؟

غياب الأب في بيئات ما بعد النزاع كالحالة السورية لا يعد فقدانًا عاطفيًا فحسب بل هو اضطراب في شبكة الحماية (عنب بلدي/مولدة بالذكاء الاصطناعي)

camera iconغياب الأب في بيئات ما بعد النزاع كالحالة السورية لا يعد فقدانًا عاطفيًا فحسب بل هو اضطراب في شبكة الحماية (عنب بلدي/مولدة بالذكاء الاصطناعي)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – آلاء شعبو

“ماما، بابا ليش مو هون؟”، سؤال يومي يطرحه “نور” (خمس سنوات) قبل نومه، تواجهه الأم تارة بقصص عن “السفر الطويل”، وأخرى بالصمت الممزوج بالقلق. خلف جدران هذا البيت، لم تعد الحكايات تكفي لإقناع طفل بدأ يلاحظ الفارق بين واقعه وواقع أقرانه، غياب الأب هنا ليس مجرد نقص في عدد أفراد الأسرة، بل هو تبدل جذري في “نظام الحماية” والأمان اليومي الذي ينمو “نور” في ظله.

​بعد سنوات الحرب الطويلة، لا يكاد يخلو حي من أحياء سوريا من أمثال “نور” ممن نشؤوا في ظل غياب الأب (بسبب الفقد أو السفر أو التغييب)، هذا الواقع فرض ضغوطًا سلوكية ونفسية متزايدة على الأطفال، ووضع الأسرة أمام تحدٍّ مضاعف يتمحور حول كيفية تعويض هذا الفراغ دون إغراق الطفل في “يتم” المشاعر أو دفعه لنضج قسري يسرق طفولته.

ترجمة المشاعر عبر السلوك

​ترى الاختصاصية النفسية رنا رضوان، أن الطفل الذي يغيب والده يمر بظروف نفسية معقدة تتجاوز مجرد الحزن، وتوضح رضوان، في حديث إلى عنب بلدي، أن “العصبية والعدوانية” التي تظهر على الطفل، مثل الصراخ المتكرر والضرب أو حتى العض، ليست مجرد سوء تصرف، بل هي “ترجمة جسدية” للتوتر والضغط النفسي الذي يعيشه.

​وتعزو رضوان هذه السلوكيات إلى أسباب عميقة، أهمها غياب التواصل العاطفي الكافي، وعدم الاستقرار في البيئة الأسرية المحيطة، لكنها تضع إصبعها على “الجرح التربوي” الأكثر شيوعًا في البيوت السورية اليوم، بحسب وصفها، وهو “تذبذب المعاملة”، حيث يتلقى الطفل رسائل متناقضة من أفراد العائلة الممتدة (الجد، العم، أو الخال)، مما يشتت بوصلته السلوكية ويزيد من حدة عدوانيته.

​متى يجب أن نقلق؟

​تؤكد الاختصاصية النفسية أن هناك “خطوطًا حمراء” تستوجب التدخل المهني، وهي حين يستمر السلوك العنيف لفترة طويلة دون تحسن، أو عندما يبدأ هذا السلوك بالتأثير على أداء الطفل الدراسي وعلاقاته الاجتماعية، محذرة من تجاهل هذه العلامات إذا لم تنجح طرق التوجيه التقليدية في احتواء نوبات الغضب.

إدارة الأزمات

​لا يمكن فصل قلق الطفل عن صراع والدته اليومي مع الواقع الاقتصادي في سوريا، وهنا تشخص الاختصاصية التربوية بشرى مروة التقاطع بين العجز المادي والقلق التربوي، فالأم التي يطلب منها الحوار الهادئ هي نفسها التي تُستنزف في تأمين لقمة العيش وسط ظروف مادية صعبة.

هذا الضغط المادي ليس مجرد فقر، بحسب الاختصاصية النفسية رنا رضوان، بل “استنزاف عصبي” يجعل الأم قليلة الصبر، ويحول أي هفوة من الطفل إلى شرارة لانفجار غضب غير مقصود.

​وتطرح مروة علاجًا اقتصاديًا- تربويًا يتجاوز النصائح التقليدية، وهو “تمكين الاستقلالية”، فبدلًا من إلقاء عبارات العجز التام أمام الطفل، تُنصح الأم بإشراكه في “ميزانية البيت” بأسلوب مبسط، هذا الوعي المادي يحول الطفل من “مستهلك قلق” إلى “شريك متفهم”، يدرك قيمة الجهد ويقلل من عدوانيته الناتجة عن الحرمان، كما تدعو مروة لإحياء “اقتصاد المشاركة” عبر تعليم الطفل تصليح أشيائه أو تدوير ألعابه، مما يرمم شعوره بـ”الكفاية” والقدرة على الإنتاج بيده، وهي مشاعر تمنحه القوة والندية لتعويض غياب سلطة الأب الحامية.

“رجل البيت الصغير”

​تحذر الاختصاصية النفسية رنا رضوان من جملة شائعة تُقال للطفل: “أنت زلمة البيت”، وتعتبرها “سمًا في عسل” يضع الطفل في حالة “رشد قسري”، هذا الطفل سيعاني من قلق دائم ويشعر بالذنب إذا رغب في اللعب أو الضعف، وبدلًا من ذلك، تدعو رضوان لمنحه مسؤوليات تناسب عمره فقط، لتعزيز تقديره لذاته دون تحميله ثقل “المعيل النفسي” للأم.

​وتوافقها الاختصاصية التربوية بشرى مروة، مؤكدة أن “الروتين هو العلاج”، وتقترح مروة تحويل اليوم إلى “نظام حماية” عبر خطوات ملموسة تتمثل بـ:

​ساعة التواصل قبل النوم: دقائق تُغلق فيها الشاشات وتُفتح القلوب، ليعرف الطفل أن احتواء الأم هو السند الثابت.

​لمّة الغداء المقدسة: حيث يتم تبادل الأخبار وتوزيع المهام، مما يعزز شعور الانتماء لجماعة متماسكة رغم النقص.

​أدوات المناعة النفسية

​تذهب مروة في تحليلها إلى ضرورة بناء “المناعة النفسية”، وتوضح أن غياب الأب يجب ألا يتحول إلى عذر دائم للسلوك السلبي. وتضيف، “تعليم الطفل كلمات الاحترام (شكرًا، من فضلك) يعيد له شعوره بالرقي النفسي والقوة الداخلية”.

​وتشير مروة إلى أهمية توجيه طاقة الطفل نحو مواهب أو أنشطة جماعية تمنحه شعورًا بالإنجاز وتخرجه من “الضحية” إلى “الفاعل”، فالطفل الذي يجد تقديرًا لذاته داخل البيت، لن يبحث عن “انتماء زائف” في الشارع أو خلف الشاشات.

اضطراب شبكة الحماية

​تؤكد الدراسات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) ومنظمة “أنقذوا الأطفال” (Save the Children)، أن غياب الأب في بيئات ما بعد النزاع كالحالة السورية، لا يُعد فقدانًا عاطفيًا فحسب، بل هو “اضطراب في شبكة الحماية”، وبحسب دراسة منشورة في مجلة Psychology of Violence” “، فإن الأطفال الذين ينشؤون في ظل غياب “النموذج الذكوري الحامي” يظهرون استجابة أسرع لضغوط الشارع، وتزداد لديهم احتمالات اللجوء للعدوانية كآلية دفاعية بنسبة تتراوح بين 35 و45%.

​وفي دراسة استقصائية أجرتها جامعة “أكسفورد” على الأطفال المتأثرين بالحروب، تبيّن أن “جودة العلاقة مع الأم” والاتفاق الأسري على المنهج التربوي (الذي ركزت عليه الاختصاصيتان في حديثهما إلى عنب بلدي) هو المتغير الوحيد الذي يمنع تحول الفقد إلى اضطراب “كرب ما بعد الصدمة”.

وتشير هذه الأرقام إلى أن وجود “سند عائلي ممتد” (جد أو خال) يقلل من احتمالية إصابة الطفل بالاكتئاب السريري في سن المراهقة بنسبة 50%.

​أما في سوريا، فتشير تقديرات تقرير “الاستجابة الإنسانية لعام 2025” إلى أن أكثر من 60% من الأطفال السوريين في المناطق الأكثر تضررًا يعانون من “فقر الأمان النفسي” نتيجة غياب العائل.

هذه الإحصائية تؤكد أن الضرر السلوكي، كالعدوانية التي أشارت إليها الاختصاصية النفسية رنا رضوان، ليس استثناء، بل هو “عرض طبيعي” لواقع استثنائي يتطلب تدخلًا تربويًا مؤسساتيًا لا يكتفي بالوعظ، بل يركز على تأهيل الأم اقتصاديًا ونفسيًا.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة