عسكرة الممرات البحرية وإعادة تشكيل النظام الإقليمي.. البحر الأحمر نموذجًا

tag icon ع ع ع

لمى قنوت

منذ عملية “طوفان الأقصى”، في 7 من تشرين الأول 2023، تشهد منطقة جنوب غرب آسيا تحولات جيوسياسية مركبة، حيث تقاطعت مصالح السعودية وتركيا ومصر في مواجهة المشروع الإماراتي والمشروع التوسعي الإسرائيلي، وهي ليست معزولة عن الصراعات في كل من ليبيا والسودان واليمن وسوريا، ومرتبطة بمصادر الطاقة وخطوط الإمداد العالمية، وبضمنها التموضعات الإقليمية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، الذي يشهد صراعًا على النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية، ويشعل خطر التصعيد بالوكالة في المنطقة.

ومن ضمن تلك التحولات في البحر الأحمر، الاعتراف الإسرائيلي بإقليم “أرض الصومال” في 26 من كانون الأول 2025، الذي أعلن انفصاله عن الصومال من جانب واحد في عام 1999 حين انهارت الحكومة المركزية، مع غياب إجماع دولي على عدم الاعتراف بالإقليم. وأدانت الاعتراف ورفضته بشكل قاطع معظم الدول العربية، باستثناء الإمارات، واعتبره بيان منظمة التعاون الإسلامي سابقة خطيرة في الاعتراف باستقلال أجزاء من أراضي الدول، وتهديدًا للسلم والأمن الدوليين، وربطه البيان بمخططات لتهجير الشعب الفلسطيني. ويندرج الاعتراف الإسرائيلي هذا في مسعى للوجود في البحر الأحمر، وشراكة مع كيانات غير رسمية تقوض وحدة الصومال وسيادته، وستؤثر على الصراعات في اليمن والسودان وما تصفه أدبيات دول الشمال بـ”اضطرابات ساحل إفريقيا”، بالإضافة إلى شرعنة منطق الكيانات الوظيفية.

ويحتل إقليم “أرض الصومال” موقعًا استراتيجيًا في البحر الأحمر، على خليج عدن، ويقع أيضًا على مدخل مضيق باب المندب، ويمثل ميناء بربرة ميناء مهمًا ذا موقع استراتيجي في خليج عدن، تديره وتطوره شركة مواني دبي، وتدير الإمارات في الإقليم أيضًا منطقة اقتصادية خاصة، ولديها قاعدة عسكرية وشبكات نقل ومحطات طاقة، وأبرمت اتفاقيات دفاعية وأمنية مع حكومته، وتتقاطع مصالح الإمارات مع إسرائيل في دعم الإقليم، فمنذ نهاية عام 2024، تعمل الأخيرة على إقامة قاعدة عسكرية في مدينة بربرة الساحلية لمواجهة النفوذ الإيراني والتركي واستهداف “الحوثيين” من موقع قريب، باعتبارها تقع بمواجهة مع شواطئ اليمن وهو جزء من المشروع الإسرائيلي التوسعي في المنطقة.

أما مصر التي وقعت بروتوكولات تعاون عسكري مع مقديشو، وتسعى لتعزيز نفوذها ومصالحها في القرن الإفريقي، فتخشى من التحكم بحركة الملاحة في مدخل البحر الأحمر، الذي سينعكس سلبًا على موارد قناة السويس، وتخشى أيضًا من وصول أثيوبيا إلى البحر الأحمر عبر ميناء بربرة، وخاصة أنها، أي أثيوبيا، وقعت مع الإقليم مذكرة تفاهم “اتفاق ميناء بربرة 2024″ للحصول على منفذ بحري وقاعدة عسكرية، ورفضته الحكومة الصومالية.

وتدعم السياسات السعودية المبادرات المصرية لتعزيز الاستقرار في الصومال، ما يعكس تنسيقًا متبادلًا بين البلدين لمواجهة ما يعتبرانه تهديدًا للأمن الإقليمي، وهو يتزامن مع رفض السعودية استخدام أراضيها كمنصة للضربات الأمريكية المتوقعة ضد إيران. ومن ضمن التحولات في البحر الأحمر أيضًا، صراع النفوذ وتناقض الاستراتيجيات بين السعودية والإمارات، الذي برز في كل من السودان وليبيا واليمن، حيث تميل السعودية للعمل مع دول مركزية بينما تبني الإمارات نفوذًا عبر وكلاء وجماعات محلية وإقليمية.

انتهت وظيفة العبور وبدأت معركة السيادة

يشهد البحر الأحمر تحولات استراتيجية جذرية ضمن مناخ يتآكل فيه القانون الدولي، فبعد فضاء ملاحي أدير تقليديًا وفق نظام أمن بحري تقوده الولايات المتحدة، وتدير الصراع فيه، دون إجماع إقليمي، بمعنى أنها تحدد من الذي يُسمح له بالتحرك ومن يضع قواعد الاشتباك، ومن يُصنف كتهديد أو كعدو، وهي تقرر متى تصبح الملاحة مهددة، وهي التي تقود الاستجابة ضد أي تهديد، وتتحكم بالإطار السياسي والقانوني. وفي واقع الأمر، إن التسيس كان مقننًا ومستقرًا، استخدمت فيه واشنطن الهيمنة البحرية وأدوات إدارة الممرات البحرية كأداة للضغط سياسي والابتزاز الاستراتيجي، في عدة مراحل من تاريخها الحديث، لتحقيق أهداف سياسية وأمنية واسعة وفق منظومة مصالحها، في سياقات تتداخل فيها المصالح العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية، وفرضت إدارته كفضاء دولي، وتحت غطاء دولي فضفاض، كحرية الملاحة، ومكافحة القرصنة، ومكافحة الإرهاب، واحتكرت استخدام القوة لحفظ نفوذها في الخليج، مثل مبدأ كارتر للدفاع عن الخليج (1980) الذي أعلنه الرئيس جيمي كارتر وفق ما يعرف بـ”Carter Doctrine”، وهي سياسة تنص على أن أي محاولة من قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج “ستُعتبر هجومًا على المصالح الحيوية للولايات المتحدة وسيُرد عليها بكل الوسائل، بما في ذلك القوة العسكرية”، وعبر الوجود المستمر للأسطول الأمريكي بالقرب من مضيق هرمز، وقواعدها العسكرية في المنطقة.
أما اليوم، فإن عسكرة البحر الأحمر تتسم بطابع تنافسي، تفكيكي، مسيس، وأدت الحرب الإسرائيلية على غزة إلى تقويض الاستقرار فيه، واستطاعت كيانات غير سيادية وقوات محلية اختراق النظام الملاحي، وأسهم إقليم “أرض الصومال” وداعموه بتقويض احتكار الدولة لقرارها البحري وتحالفاتها وشراكاتها، وقد يسهم أيضًا في شرعنة كيانات وظيفية قد تُستنسخ في أماكن أخرى.
بالمحصلة، لقد تحول البحر الأحمر من ممر تجاري دولي منضبط إلى مساحة تنازع، ومع تراكب الأزمات والصراعات الإقليمية ساد منطق يمكن توصيفه بتسييس الممرات، وعسكرة النقاط، وخصخصة الأمن البحري، وازداد تحول السواحل إلى أدوات نفوذ، وتراجع “الأمن الجماعي” المعتمد على المظلة الأمريكية، إلى إدارة المخاطر ذاتيًا، وعبر تحالفات إقليمية مرنة، وخاصة أن بعض القوى الإقليمية لم تعد تثق بقدرة التحالفات الدولية وحدها على ضمان مصالحها.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة