آثار اجتماعية ومخالفة للمعايير القانونية

أطفال سوريون يغادرون التعليم إلى سوق العمل

الأطفال العاملون أكثر عرضة للقلق والاكتئاب وفقدان احترام الذات بسبب تحمل مسؤوليات تفوق سنهم (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

camera iconالأطفال العاملون أكثر عرضة للقلق والاكتئاب وفقدان احترام الذات بسبب تحمل مسؤوليات تفوق سنهم (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – آلاء شعبو

بيدَين اعتادتا التعامل مع الشحم والزيت، يفكك أحمد (23 عامًا) محرك سيارة في ورشته بمدينة اللاذقية ببراعة. أحمد، وهو الابن الوحيد بين ثلاث أخوات، اتخذ في سن الـ15 قرارًا شخصيًا بترك المدرسة، مدفوعًا برغبة قوية في الاستقلال المادي وإعالة أسرته المكونة من ستة أفراد.

راتب والده الحكومي ومحاولاته في صيد السمك لم تعد تكفي لسد الفجوة المعيشية المتسعة، ويرى أحمد في “الصنعة” أمانًا أسرع وجدوى اقتصادية ملموسة مقارنة بالشهادة التي اهتزت ثقته بجدواها أمام الواقع المرير.

واليوم، يجد الشاب نفسه في صراع مع الذاكرة، يحاول استدراك ما فاته تعليميًا، بعدما اكتشف أن العقل الذي اعتاد لغة العمل الميداني والحلول التقنية السريعة، يواجه صعوبة بالغة في التأقلم مع المناهج الدراسية بعد سنوات طويلة من الانقطاع.

هذه القصة ليست سوى مثال من واقع يبتلع مستقبل جيل كامل، إذ تشير أرقام منظمة “يونيسف” إلى أن مدرسة واحدة من كل ثلاث مدارس في سوريا لم تعد صالحة للاستخدام بسبب تعرضها للضرر أو الدمار نتيجة الحرب، وهو ما أسهم في وصول عدد الأطفال المحرومين من التعليم اليوم إلى أكثر من 2.4 مليون طفل سوري، كما لفتت المنظمة إلى وجود أكثر من مليون طفل آخرين معرضين لخطر التسرب الدراسي، وهي الفئة الأكثر عرضة لسوق العمل غير المنظم.

الاستقلال المادي وفخ الأجور الزهيدة

خيار أحمد بترك المدرسة كان نابعًا من إيمانه بأن العمل هو الطريق الأقصر ليكون السند الحقيقي لوالديه وأخواته، لكن هذا الطموح المبكر بالاستقلال المادي اصطدم بواقع سوق العمل الذي يفتقر لأدنى معايير الحماية القانونية لليافعين.

روى أحمد، لعنب بلدي، أن أجره في بداية تعلم المهنة كان خمسة دولارات فقط في الأسبوع، هذا المبلغ، رغم رمزيته، كان يشكل في نظره وقتها “إنجازًا” يحرره من حاجة السؤال، لكنه اكتشف لاحقًا أنه كان الثمن الذي قبضه مقابل التخلي عن سنوات التأسيس المعرفي.

بعيدًا عن الرقابة والقانون

بالنسبة لأحمد، كانت رائحة الشحم وصوت المحركات تبدو أكثر واقعية من معادلات الرياضيات، دون أن يدرك أن المهارة اليدوية دون خلفية علمية ستصبح بمرور الوقت سقفًا يحد من تطوره المهني، فضلًا عما تفرضه هذه البيئة من مخاطر جسدية وصحية، حيث تحذر منظمة العمل الدولية من إصابات حوادث العمل المميتة أو الإعاقات طويلة الأمد التي يسببها رفع الأحمال الثقيلة واستخدام الآلات في سن النمو.

هذا الواقع الذي بدأ فيه أحمد العمل عند سن الـ15، يكشف عن فجوة تشريعية في قانون حقوق الطفل الصادر عام 2021، فبينما تنص المادة “36-أ” صراحة على: “يحظر تشغيل الطفل الذي لم يتم الـ15 من عمره”، جاءت المادة “61” المتعلقة بالعقوبات لتحدث شرخًا في حماية هؤلاء الأطفال، إذ حددت عقوبات بالحبس والغرامة لمخالفي الفقرات “ب، ج، د”، أي من يشغّل طفلًا في عمل خطر أو يمنعه من التعليم أو يحرمه من الفحص الطبي، لكنها “تجاهلت” وضع أي عقوبة لمخالفي الفقرة “أ” المتعلقة بأصل المنع من التشغيل تحت سن الـ15، هذا الغياب للعقوبة الرادعة في المادة “61”، حوّل نص الحظر إلى نص شكلي، مما يجعل سوق العمل متاحًا لليافعين في سن حرجة دون خوف أصحاب العمل من عواقب قانونية حقيقية.

أثر نفسي وتربوي

من خلال تعاملها المباشر مع الطلاب واليافعين في بيئة المدرسة، تلاحظ المرشدة الاجتماعية بشرى مروة، أن حالة أحمد تمثل نموذجًا لنسبة كبيرة ممن فقدوا الثقة بالتعليم كأداة للتغيير المادي السريع.

قالت المرشدة الاجتماعية، لعنب بلدي، إن امتلاك الفتى اليافع للمال في سن مبكرة يمنحه شعورًا بالندية تجاه الكبار، واستغناء مبكرًا عن سلطة الأهل والمؤسسة التعليمية، هذا الاستغناء المبكر يحمل في طياته مخاطر نفسية واجتماعية، إذ تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الأطفال العاملين أكثر عرضة للقلق والاكتئاب وفقدان احترام الذات بسبب تحمل مسؤوليات تفوق سنهم.

وأضافت مروة أن الانقطاع عن الدراسة يخلق ما يسمى بـ”الفجوة المعرفية”، فاليافع الذي يبتعد عن جو القراءة والتحليل لسنوات يواجه “صدمًا تعليميًا” عندما يحاول العودة، فالدماغ الذي اعتاد الاستجابة السريعة لمشكلات الميكانيك يجد صعوبة في التركيز على المواد النظرية، وهو تمامًا ما يمر به أحمد اليوم في محاولاته لنيل شهادة البكالوريا.

الشهادة كأمان وفرصة للتطور المهني

الواقع المهني اليوم يؤكد أن المهارة اليدوية وحدها لم تعد كافية للمنافسة في سوق عمل يتجه نحو التقنية والرقمنة، ترك الدراسة يحصر الشاب في العمل اليدوي الصرف، ويحرمه من القدرة على إدارة المشاريع أو فهم الأنظمة الهندسية المعقدة التي تحتاج إلى خلفية أكاديمية.

أحمد يدرك اليوم أن “المعلّم” الذي يملك شهادة يملك أفقًا أوسع وقوة تفاوضية أكبر في السوق، الدافع وراء إصراره على البكالوريا هو رغبة في دعم صنعته بسند علمي يرمم ثقته بمكانته الاجتماعية.

هذا الصراع الشخصي يعكس ما يراه محللون وباحثون من أنها قضايا تعكس إشكاليات بنيوية أعمق، ففي تحليل للكاتب محمد رجب سماق (كانون الأول 2025)، يُشار إلى أن عمالة الأطفال ليست مجرد نتيجة للفقر، بل هي حلقة ضمن منظومة تعيد إنتاج الفقر ذاته جيلًا بعد جيل، حيث يحد حرمان الطفل من التعليم من فرصه في الحصول على عمل لائق مستقبلًا، مما يهدر رأس المال البشري ويضعف إنتاجية الاقتصاد السوري وقدرته على إعادة الإعمار.

إرشادات للأهالي

بناء على التحديات التي ترصدها المرشدة الاجتماعية بشرى مروة، ميدانيًا، تقدم مجموعة من الحلول:

  • توجيه الرغبة نحو التعليم المهني الرسمي.
  • إعادة بناء قيمة الشهادة في وعي اليافع.
  • الإدارة المشتركة والدعم النفسي.


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة