تحمّل الإحباط بوصفه خيارًا سياسيًا.. قراءة نفسية في تفاهم دمشق- “قسد”

tag icon ع ع ع

أحمد عسيلي

تم التفاهم إذًا بين السلطة في دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وبدأت مرحلة جديدة من الترتيبات في شمال شرقي سوريا، تشمل تنسيقًا أمنيًا ولمسات أولى على مسار دمج قوات “قسد” ضمن الجيش السوري، في خطوة تهدف إلى إنهاء الصراع العسكري المباشر ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة جديدة، يأتي هذا التطور في لحظة شديدة الحساسية، داخليًا وإقليميًا، حيث كان احتمال التصعيد قائمًا، والجو العام مشحونًا، والكثير من أنصار الطرفين يدفعون نحو الحرب، ما يجعل اختيار التفاهم بحد ذاته حدثًا يستحق التوقف عنده، ليس سياسيًا فقط، بل نفسيًا أيضًا.

هذا التفاهم لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الذي سبقه، فالمنطقة عاشت سنوات طويلة تحت منطق السلاح، ومع كل تصعيد كانت تتقلص المساحة المتاحة للتفكير، ويُختزل المشهد في صوت واحد، هو صوت المعركة، ومع ذلك، اختار الطرفان هذه المرة مسارًا مختلفًا، قائمًا على التهدئة والتنازل المتبادل، في محاولة واضحة لنقل الصراع من طابعه العسكري إلى إطار سياسي- إداري قابل للاحتواء، هنا تبدأ القراءة النفسية للحدث: لماذا يُعدّ عدم الانزلاق، في لحظة كهذه، علامة نضج لا ضعف؟

في الطب النفسي، تُعدّ القدرة على تحمّل الإحباط من أبرز مؤشرات الصحة النفسية، الشخص السليم ليس من يُشبِع رغباته فورًا، ولا من يندفع عند أول عائق، بل من يستطيع تحمّل التوتر الناتج عن الفجوة بين ما يريد وما هو ممكن، دون أن يحوّل هذا التوتر إلى فعل تدميري، هذا المبدأ لا يخص الأفراد فقط، بل ينطبق على الجماعات والقيادات في لحظات الأزمات الكبرى.

حين تكون الأوضاع مشحونة، يصبح الانزلاق أسهل من التريّث، ويغدو التصعيد أكثر إغراء من التفكير، في هذه اللحظات، يبرز الفرق بين سلوك اندفاعي وسلوك ناضج، التفكير الناضج هو نقيض أنماط تفكير مرضية كثيرة، مثل الإنكار والتفكير السحري والمقامرة، الإنكار يعني تجاهل موازين القوى والوقائع القائمة، التفكير السحري يفترض أن التشدد وحده كفيل بتغيير النتائج، أو أن الخارج سيتدخل في اللحظة المناسبة ليصحح المسار، و قد مارسنا نحن كمعارضين هذا النمط من التفكير في أثناء الثورة، بانتظار “ناتو” لم يأتِ، أما المقامرة فهي أخطر هذه الأنماط، لأنها تضع مجتمعًا كاملًا على طاولة الرهان، وتعلّق مصيره على احتمالات غير مضمونة، كما يفعل القائمون على الأمر في السويداء حاليًا.

ما يميّز ما جرى في تفاهم دمشق- “قسد” هو الخروج الواعي من هذه الدوائر، لا إنكار للواقع، ولا رهان سحري على تدخل خارجي، ولا مقامرة بحرب جديدة، بل قراءة عقلانية للممكن في هذه المرحلة، وقبول بتنازلات متبادلة تتناسب مع الرغبة الواضحة في عدم جرّ البلاد إلى دورة عنف إضافية، السياسة هنا لم تُمارَس بوصفها سعيًا لتحقيق أقصى المكاسب، بل بوصفها فن تقليل الخسائر، وهو تعريف واقعي وناضج لها.

ضمن هذا السياق أيضًا، جاء اختيار نور الدين عيسى أحمد محافظًا للحسكة، فهو جزء من محاولة إعطاء المرحلة طابعًا مدنيًا وإداريًا، فالذهاب إلى شخصية مقبولة من الجميع، درست في الجامعات السورية وعُرفت بمعارضتها للنظام السابق، وعلاقتها الجيدة مع المكوّن العربي، يعكس إدراكًا لحساسية المرحلة، وحاجة المنطقة إلى إدارة تخفف التوتر بدل أن تعيد إنتاج منطق الصدام، الإدارة هنا تتحول إلى مساحة انتقال، لا إلى امتداد للصراع.

غياب الحرب في هذه المرحلة لا يمكن اختزاله بوصفه هدنة مؤقتة، بل هو مكسب نفسي وأخلاقي بحد ذاته، خاصة في بيئة متعدّدة وهشّة مثل الجزيرة السورية، فالتجربة السورية خلال السنوات الماضية أظهرت بوضوح أن الحرب، حتى حين تنتصر، تُلحق بالمجتمعات أضرارًا عميقة: تآكل المعايير، تطبيع العنف، وتراجع الحساسية تجاه الألم الإنساني، الثمن لا يكون آنيًا فقط، بل تراكميًا، ويظهر لاحقًا في شكل أحقاد وانقسامات طويلة الأمد.

هنا تبرز تجربة السوريين منذ عام 2011 كذاكرة جريحة، آنذاك، لم يكن لدى السلطة أي استعداد لتحمّل الإحباط أو القبول بتنازل، ومع مرور الوقت ازدادت التضحيات، وارتفع معها سقف التنازلات المطلوبة، حتى صار الثمن كارثيًا على المجتمع كله، الإنكار لم يحفظ الدولة، بل دمّر النسيج الاجتماعي.

ولا بد أن أضيف هنا، أن الرهان على الخارج يصبح وهمًا إضافيًا، حتى أكثر الأطراف دعمًا لـ“قسد” في الخطاب الإعلامي الغربي لا يقدّم أكثر من كلمات، مثال ذلك ما نشرته مجلة “Le Point” الفرنسية، ذات التوجه اليميني، حين تساءلت على غلافها: “هل تخلّى الغرب عن قسد؟”، في صيغة عتاب وانتقاد لتخلي الغرب عن قوة كانت في طليعة الحرب على تنظيم “داعش”، إضافة إلى بعض المظاهرات التي يقودها اليسار بين فترة و أخرى، هذا العتاب، مهما بدا متعاطفًا، يعبّر عن أقصى ما يستطيع الخارج فعله: شيء من المواساة، ورفع عتب أخلاقي، من دون تحمّل أي تكلفة فعلية.

الخارج قد يكتب وينتقد، لكنه لا يعيش الظروف، وحدهم من يعيشون في هذا البلد يدفعون ثمن الحرب إن وقعت، ويعيشون نعمة السلم إن اختير، من هنا، فإن تحمّل الإحباط، والقبول بحل وسط يعترف بالواقع، وعدم الانجرار إلى المقامرة بالمجتمع، ليست تنازلات ضعف، بل قمة النضج النفسي والسياسي: اختيار واعٍ للحياة، حين كان الانزلاق إلى الكارثة ممكنًا وسهلًا.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة