ماذا يقول النقاد والقانونيون

مسلسل “قيصر”.. دراما تواجه اتهامات “تسليع” الألم

الفنانة دانا مارديني والفنان سامر كحلاوي في مشهد من مسلسل "قيصر" ـ 20 شباط 2026 (فوشيا)

camera iconالفنانة دانا مارديني والفنان سامر كحلاوي في مشهد من مسلسل "قيصر" ـ 20 شباط 2026 (فوشيا)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – أمير حقوق

بعد عرض ثلاثيتين منه في موسم دراما رمضان، وجد مسلسل “قيصر.. لا مكان لا زمان”، نفسه في قلب جدل واسع بالمجتمع السوري، ليس فقط على صعيد الشكل الفني أو جودة الإنتاج، بل في جوهر السؤال: هل يجوز أن تتحول معاناة حقيقية لضحايا الاعتقال والتعذيب في سوريا إلى مادة درامية تُعرض على الشاشة التلفزيونية؟

المسلسل، المكوّن من ثلاثيات درامية تستوحي شهادات وتجارب من داخل السجون السورية، وأفعال النظام “الإجرامية” خلال سنوات الثورة السورية، لم يمضِ بعيدًا عن دائرة النقد، فقد اتهمه ناشطون وعائلات الضحايا بـ”تسليع الألم”، واستغلاله لأغراض تجارية وفنية قبل الوصول إلى حقيقة العدالة الكاملة.

يؤدي بطولة العمل سلوم حداد وغسان مسعود وصباح الجزائري ومهيار خضور وآخرون، بينما تولى تأليفه مجموعة كتّاب، وهو من إخراج صفوان نعمو.

رابطة “عائلات قيصر”، التي تمثل ذوي ضحايا صور المأساة في سجون النظام السوري السابق، أصدرت بيانًا حاد اللهجة أعلنت فيه رفضها القاطع لتحويل جراحهم المتواصلة إلى مادة ترفيهية.

بدوره، قال الرئيس التنفيذي لشركة “الأديب” للإنتاج الفني، منتجة مسلسل “قيصر”، محمد الشمسيني، لعنب بلدي، إن العمل يوثق جرائم الحقبة الأسدية، ويركز على الجانب الإنساني خاصة المعتقلين، وما عانوه في السجون، مؤكدًا أهمية توثيق هذا الجانب كجزء من دليل وإثبات انتهاكات تلك الفترة.

“الدراما ليست نشرة أخبار”

الجدل الحاد حول العمل يعكس تساؤلًا أوسع: ما دور الدراما في التعامل مع الأحداث التاريخية المؤلمة.

وفي حين يرى القائمون على العمل أن الدراما وسيلة لتوثيق الانتهاكات ورفع الوعي، يرى منتقدوها أن مجرد تحويل التجربة الإنسانية إلى قطعة تلفزيونية قد يبدد الأثر الحقيقي للمعاناة.

وهنا، يرى الصحفي والناقد الفني شارل عبد العزيز، أن تناول ملف الاعتقال في الدراما السورية ليس وليد الموسم الرمضاني الحالي، ولا يمكن اختزاله بعمل واحد، فالموضوع طُرح سابقًا في أكثر من محطة، سواء خلال سنوات الثورة أو قبلها.

ملف المعتقلين مادة غنية ومؤثرة في الوجدان السوري الذي عاش عقودًا تحت وطأة القمع، بحسب عبد العزيز، لكنه ينتقد ما يراه استعجالًا في بعض المعالجات الدرامية الراهنة، معتبرًا أن الدراما ليست نشرة أخبار ولا بديلًا عن الفيلم الوثائقي، فوظيفتها، برأيه، ليست نقل الوقائع كما حدثت، بل إعادة صياغتها فنيًا بعد أن “تختمر” التجربة ويُتاح للكاتب وقت كافٍ للتأمل والنسج الدرامي.

وأشار عبد العزيز، في حديث لعنب بلدي، إلى أن بعض ثلاثيات “قيصر” بدت أقرب إلى تجميع أحداث وشعارات ومصطلحات أمنية معروفة، من دون تعميق إنساني كافٍ، ما جعلها أقرب إلى سرد تقريري منها إلى بناء درامي متكامل.

كما لفت إلى أن قصص المعتقلين لم تنتهِ بعد، فثمة مفقودون لم يُعرف مصيرهم، ومعتقلون خرجوا ليواجهوا عزلة جديدة وأزمات نفسية واجتماعية لم تُروَ على الشاشة كما يجب.

 

كثافة الأعمال الدرامية التي تناولت الاعتقال في موسم واحد أضعفت أثره، وحوّلت القضية إلى ما يشبه “الترند” الدرامي.

شارل عبد العزيز

صحفي وناقد فني

 

دراسة دقيقة للحكاية

الصحفي والناقد الفني أنس فرج، قال إن المسلسل لم يستطع أن يعبّر عن نفسه بشكل كافٍ لعرض ست حلقات منه فقط، فاقتصر العرض على ثلاثيتين من أصل عشر، محاولًا المزج بين الخط السياسي والاجتماعي برسائل مباشرة.

فرج يوافق عبد العزيز، بأن العمل يطرح مرحلة حساسة وحديثة في الشارع السوري ما زالت انعكاساتها على الأرض، كون قضية المفقودين ومصير آلاف المعتقلين ما زالت مستمرة، ما يعني التعرض لجراح الناس ورواية أحداث أهلها وأصحابها ما زال منهم على قيد الحياة، ما يتطلب دراسة دقيقة للحكاية، ووجود اختصاصيين نفسيين وحقوقيين لتقديم القصة بأنسب وأدق شكل ممكن.

وقال فرج في حديث إلى عنب بلدي، إن الانتقادات مسموحة ولو جاءت لمشاهد معيّنة بعد العرض، عقب هجوم مبكر على العمل قبل عام، في أثناء بداية تصويره.

من الأفضل الانتظار حتى يصبح المشهد السياسي في سوريا أوضح، وتقديم حكاية غير آنية لمجرد مواكبة الحدث، بل صياغتها كوثيقة عن مرحلة دموية ومفصلية بتاريخ سوريا، بحسب ما يرى فرج.

فنانون أيدوا الأسد.. بين الإقناع والخيبة

الانتقادات طالت مشاركة بعض الممثلين المعروفين بمواقفهم المؤيدة لرئيس النظام السوري المخلوع بشار الأسد، كسلوم حداد وغسان مسعود، في العمل.

ولم تقتصر حالة الجدل على ذلك، بل امتدت لتشمل كاتب أغنية المسلسل، الذي اشتهر سابقًا بكتابة أغانٍ مجّدت النظام السابق وجيشه، الأمر الذي قوبل باستهجان واسع من شريحة كبيرة من الجمهور.

وفي السياق، يميّز الصحفي والناقد الفني شارل عبد العزيز، بين الموقف السياسي للفنان وأدائه الفني، مؤكدًا أن الممثل لا يُختزل بآرائه الشخصية، وأنه قد يجسّد شخصية تناقض قناعاته تمامًا.

لكنه في الوقت نفسه يشير إلى أن بعض الأداءات في “قيصر” لم تنجح في خلق التعاطف المطلوب، مقارنة بأداءات سابقة في أعمال مثل مسلسل “قلم حمرة”، أو حلقة “أكاليل الشوك” من مسلسل “أهل الغرام”، التي استطاعت، برأيه، إيصال الإحساس العميق بتجربة الاعتقال.

أحد أبرز مآخذ عبد العزيز تمثّل في رسم الشخصيات بصورة نمطية، حيث بدا الشر مطلقًا والخير مطلقًا، من دون مناطق رمادية تعكس تعقيد الواقع.

ويرى أن بعض الحوارات والمواقف اتسمت بالمباشرة أو المبالغة، ما أفقد الشخصيات صدقيتها، وجعلها أقرب إلى “كرتونية” أو خطابية.

كما انتقد عبد العزيز تركيز إحدى الثلاثيات على مشاهد العنف والدماء على حساب ما بعد الخروج من المعتقل: الصدمة، الشعور بالذنب، اضطراب العلاقات، ومحاولات الاندماج مجددًا في الحياة، هذه المساحات، برأيه، كانت كفيلة بمنح العمل بعدًا إنسانيًا أعمق.

الابتعاد عن أسماء مثيرة للجدل

بدوره، الصحفي والناقد الفني أنس فرج، يعتبر أن مواقف الفنانين السوريين حُمّلت أكثر مما تحتمل والسبب طول الصراع، والظهور الإعلامي المتعدد للفنانين بأكثر من مناسبة وإجبار البعض على تصريحات معينة، مقابل مواقف خاطئة وغير مدروسة من فنانين آخرين.

لكن الفنان يجب أن يقيّم حسب أدائه للدور وصدقه في تأدية المشهد، وليس بناء على مواقف سياسية سابقة وإن كان من الأفضل الابتعاد عن أسماء مثيرة للجدل، بحسب تعبيره.

المشكلة في سياق أخلاقي لا قانوني

الانتقادات طالبت بوقف العمل، وتقديم شكاوى قانونية بحق صناعه، واعتبر المنتقدون أن دماء الشهداء وتعذيب المعتقلين ليست سلعة للترفيه.

وفي خضم الجدل الدائر، يقدّم مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، بسام الأحمد، مقاربة تفصل بين ما هو قانوني وما هو أخلاقي، مؤكدًا أن النقاش القائم لا يبدو في جوهره إشكالية قانونية بقدر ما هو سجال أخلاقي وسياسي.

يوضح الأحمد أن أي تحرك قضائي ضد عمل فني يجب أن يستند إلى مخالفة صريحة لقانون نافذ، فلا يمكن رفع دعوى لأن العمل لم يعجبنا، أو لأن توقيته غير مناسب، أو لأن أحد المشاركين فيه كان مؤيدًا للنظام السابق أو صامتًا في مرحلة سابقة.

المعيار القانوني، بحسب الأحمد، واضح “إذا تضمّن العمل قدحًا أو ذمًا أو تشهيرًا بشخص محدد، أو خالف نصًا قانونيًا معمولًا به، يمكن حينها اللجوء إلى القضاء، أما الاعتراض المبني على الموقف الشخصي أو الشعور بعدم الملاءمة، فلا يكفي وحده لتأسيس دعوى قانونية”.

العدالة لم تتحقق.. لكن الفن لم يتوقف

في مواجهة الحجة القائلة إن مصير المفقودين لم يُكشف بعد، وبالتالي لا يجوز إنتاج أعمال درامية حولهم، يشير بسام الأحمد، إلى أن الحالة السورية شهدت بالفعل تقارير إعلامية، وأفلامًا وثائقية، وأعمالًا تناولت الكيماوي والاختفاء القسري وجرائم متعددة، رغم غياب العدالة الكاملة حتى الآن، متسائلًا عن الرابط الحتمي بين اكتمال الحقيقة ومنع أي عمل درامي.

 

توثيق حدث لم يُكشف مصيره بالكامل لا يشكّل بحد ذاته إشكالية قانونية، وقد لا يكون إشكاليًا أخلاقيًا أيضًا، إلا إذا ارتبط بسياقات أخرى.

بسام الأحمد

مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”

 

ويرى الأحمد أن جوهر الاعتراضات قد لا يكون في فكرة “توثيق الجرح المفتوح”، بل في عناصر أخرى مرافقة.

كما يلفت إلى أن بعض الانتقادات تتركز حول مشاركة ممثلين سبق أن التزموا الصمت أو أبدوا مواقف مؤيدة للسلطة آنذاك، هنا يقرّ بأن الإشكالية قد تكون أخلاقية أكثر منها قانونية، موضحًا، “أخلاقيًا، قد يكون من الصعب تقبّل أن يشارك شخص دافع عن الانتهاكات في عمل يتناولها”.

بين استغلال الألم ودور الدراما

يتوقف مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، عند اتهامات “المتاجرة بالمعاناة”، معتبرًا أن إطلاق أحكام القيمة يحتاج إلى حذر، مشددًا على ضرورة التمييز بين النقد المشروع والتخوين المسبق.

ومن حيث المبدأ، يذكّر بأن للدراما دورًا في تخليد الذاكرة وكشف الحقيقة، تمامًا كما حدث في تجارب عالمية تناولت جرائم كبرى عبر السينما والتلفزيون، من دون أن يُنظر إليها حصرًا كفتح للجراح.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة