قوس النصر في اللاذقية.. مراحل تتقاطع عند حجر واحد

قوس النصر بحي الصليبة في اللاذقية - 2 أيلول 2025 (سانا)

camera iconقوس النصر بحي الصليبة في اللاذقية - 2 أيلول 2025 (سانا)

tag icon ع ع ع

اللاذقية – يزن قر

في حي الصليبة، أحد أقدم أحياء اللاذقية، لا يحتاج قوس النصر إلى لافتة تعريفية ليعلن حضوره، بل يقف البناء الحجري الرباعي وسط حركة السير اليومية، متداخلًا مع المحال السكنية والتجارية، كأنه جزء من المشهد العابر، غير أن هذا الاندماج الظاهري يخفي وراءه تاريخًا يمتد لنحو ألفي عام، حين كانت المدينة تُعرف باسم “Laodicea ad Mare”، إحدى المدن المهمة على الساحل الشرقي للمتوسط في العصر الروماني.

تُعرّف الأدبيات الأجنبية القوس باسم “Latakia Tetraporticus”، ويُرجَّح أنه شُيّد في أواخر القرن الثاني الميلادي، في عهد الإمبراطور الروماني سبتيميوس سيفيروس، ضمن تقليد معماري يقضي بإقامة أقواس نصر عند تقاطعات الشوارع الرئيسة أو مداخل المدن، تكريمًا للإمبراطور، وتأكيدًا لحضور السلطة الرومانية في الفضاء العام.

وتشير الموسوعة البريطانية “Encyclopaedia Britannica”، إلى أن المدينة لا تزال تحتفظ بقوس نصر بُني على شرف الإمبراطور، بوصفه أحد أبرز معالمها الكلاسيكية الباقية.

غير أن القيمة التاريخية للقوس لا تكمن في نسبته إلى حاكم بعينه، بقدر ما تكمن في موقعه، فهو نقطة تقاطع عمرانية كانت يومًا قلب المدينة الرومانية.

البناء والزخارف

يقع القوس في الجهة الجنوبية من حي الصليبة، وقد أطلق عليه السكان المحليون عدة تسميات، منها “القوس المربع” و”الكنيسة المعلقة”، فيما يُعرف تاريخيًا باسم “قوس النصر”.

وقد شُيّد تكريمًا لمدينة اللاذقية على وقوفها إلى جانب الإمبراطور سبتيميوس سيفيروس ضد خصمه سينيوس نيجر.

يبلغ طول ضلع القوس نحو 12 مترًا، وارتفاعه قرابة 16 مترًا، ويعلوه جزء يشبه القبة نصف الكروية.

يتألف البناء من أربع فتحات متفاوتة الاتساع، يعلو كلًا منها عقد حجري متقن يستند إلى أعمدة ذات تيجان كورنثية، تحمل نضدًا مزينة بأفاريز وأطناف.

الوجوه الداخلية والخارجية مزخرفة بنقوش نافرة تمثل شارات النصر وسيوفًا وتروسًا وخوذًا ورماحًا، تجسّد عتاد المحاربين في الفترة الرومانية.

وتبدو على الأعمدة والجدران آثار تشوّه وتآكل بفعل الزمن والرطوبة الساحلية.

كان القوس مطمورًا جزئيًا في الأرض، إلى أن أُزيلت الجدران التي كانت تسدّ فتحاته خلال أعمال تجميل حي الصليبة، ورُمّمت أجزاء منه ليستعيد شكله الأصلي ورونقه القديم، مع بقائه منخفضًا عن مستوى الشارع بنحو مترين. كما أُحيط بحديقة عامة صغيرة أبرزت ملامحه المعمارية.

مدينة تتبدّل.. والأثر يبقى

على الرغم من تعرّض الساحل السوري لزلازل متكررة عبر تاريخه، بقي القوس قائمًا، في حين اندثرت أجزاء واسعة من الأبنية الرومانية الأخرى.

صموده الفيزيائي لا يعني حضورًا ثقافيًا مكافئًا، فالقوس اليوم محاط بعدة حدائق، وأسلاك كهرباء، وأبنية حديثة، في مشهد يعكس تداخل الأزمنة داخل المدينة الواحدة.

لا يوجد فضاء أثري معزول، ولا مسار تعليمي يشرح للزائر دلالاته، إنه أثر يعيش داخل المدينة، لا خارجها.

رمز المدينة الصامت

سعاد صوفي (48 عامًا)، تسكن في بناء يطل مباشرة على القوس، لا تراه مجرد أثر روماني، بل علامة ثابتة في حياتها الشخصية.

تقول سعاد، “كبرت وأنا أراه من شرفة بيتنا، تغيّرت السيارات في الشارع، تغيّرت الواجهات، حتى أصوات الباعة اختلفت. القوس وحده بقي”.

وتتابع أنها تشعر أحيانًا أنه شاهد على طفولتها قبل أن يكون شاهدًا على التاريخ وحين تسافر وتعود، “أول ما يُطمئن أنني وصلت هو أن أراه قائمًا في مكانه”.

وترى أن رمزيته تتجاوز المعلومات التاريخية، فهو “ليس حجرًا فقط، بل شيء يذكّرنا أن هذه المدينة أقدم من كل ما نعيشه اليوم، وأنها مرّت بما هو أصعب وبقيت”.

أما سامر شيخ ديب (35 عامًا)، صاحب متجر قريب من القوس، فيعتبر أن القوس يمثّل علامة غير معلنة لهوية اللاذقية، لأن المدن تُعرَف بمعالمها، “البعض يملك أبراجًا حديثة، والبعض يملك أسواقًا قديمة، نحن لدينا هذا القوس، قد لا ننتبه له يوميًا، لكنه موجود في صورنا وذاكرتنا، حين أقول لشخص من خارج المدينة: تعال إلى القوس، يعرف أنني أحدد له قلب اللاذقية”.

أما هناء عليو (62 عامًا)، من مواليد الحي، فتحدثت عن القوس وتحولات المكان قائلة، “كنا نلعب قربه ونحن أطفال دون أن ندرك قيمته، اليوم أشعر أنه يحمل طبقات من حياتنا نحن أيضًا، لا طبقات التاريخ فقط”.

تتابع أنه “لو غاب القوس يومًا، ستشعر المدينة بفراغ، ليس لأنه موقع سياحي، بل لأنه جزء من شكلها، هو مثل ملامح الوجه، قد لا نفكر بها، لكن غيابها يغيّر كل شيء”.

من حجر أثري إلى ذاكرة احتجاج

قوس النصر في اللاذقية ليس مجرد بقايا حجرية من القرن الثاني الميلادي، ولا معلمًا سياحيًا بالمعنى التقليدي، إنه نقطة تماس بين الماضي والحاضر، بين مدينة رومانية مزدهرة ومدينة معاصرة تبحث عن توازنها.

بين المرور العابر والنظر المتأمل، يقف القوس في مكانه منذ قرون. والسؤال لم يعد متعلقًا بقدرته على الصمود، بل بقدرة المدينة على إعادة قراءة ما تبقى من ذاكرتها الحجرية، قبل أن يتحول الأثر إلى خلفية صامتة لا يُلتفت إليها.

لم يبقَ قوس النصر أسير طبقة رومانية من التاريخ، بل دخل، بعد قرون، في طبقة أخرى أكثر التباسًا وحداثة.

ففي ربيع عام 2011، ومع بدايات الاحتجاجات الشعبية في سوريا، تحوّل محيط القوس إلى نقطة تجمّع لأبناء اللاذقية الذين خرجوا مطالبين بالتغيير، في مواجهة نظام بشار الأسد.

لم يكن اختيار المكان مصادفة خالصة، فالمعالم الكبرى في المدن غالبًا ما تتحول إلى منصات رمزية في لحظات التحول التاريخي.

تحت القوس الذي شُيّد يومًا لتكريس سلطة إمبراطور روماني، ارتفعت هتافات رافضة لسلطة معاصرة، الحجر الذي كان إعلانًا عن انتصار إمبراطوري، صار خلفية لمطالبة مدنية بالحرية، في تلك اللحظة، بدا كأن التاريخ يعيد ترتيب رموزه، لا بإزالة القديم، بل بإعادة تأويله.

يتذكر بعض أبناء الحي أن التجمعات الأولى كانت صغيرة ومتوترة، لكن حضور القوس في المشهد منحها بعدًا رمزيًا خاصًا، لم يكن مجرد موقع جغرافي يتوسط الطرق، بل نقطة ذات ثقل بصري ومعنوي، فهو مكان يعرفه الجميع، وتلتقي عنده مسارات المدينة كما تتقاطع فيه طبقات زمنها.

وفي عام 2012، ومع تصاعد الصراع وتحول الحراك إلى العمل المسلح، تشكّلت في ريف اللاذقية أولى التشكيلات العسكرية من أبناء المدينة المنشقين عن الجيش النظامي، ضمن صفوف “الجيش السوري الحر”، وحمل التشكيل اسم “كتيبة قوس النصر”.

لم يكن الاسم عابرًا أو زخرفيًا، بل تعبيرًا عن محاولة استحضار رمز محلي، وإعادة شحنه بدلالة جديدة.

في هذا الانتقال، خرج القوس من كونه شاهدًا صامتًا على تاريخ قديم، ليصبح جزءًا من سردية حديثة سعت إلى تغيير سياسي، ولا تزال مثقلة بالجراح والانقسامات.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة