
قد يستجيب الطفل للضرب بسرعة لكنه قد يتعلم بذلك الاستجابة خوفًا من العقوبة أكثر من فهم سبب السلوك المطلوب منه تغييره (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

قد يستجيب الطفل للضرب بسرعة لكنه قد يتعلم بذلك الاستجابة خوفًا من العقوبة أكثر من فهم سبب السلوك المطلوب منه تغييره (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)
عنب بلدي – آلاء شعبو
في إحدى مدارس إدلب، قال والد طالب في الصف الرابع، إن ابنه تعرض للعقوبة الجسدية (الضرب) من معلمه، وأرسل إلى عنب بلدي صورًا قال إنها تظهر آثارًا على جسد الطفل.
وبحسب رواية الأب، لم تتوقف الحادثة عند الضرب، إذ قال إن ابنه فُصل من المدرسة بعد مراجعته الإدارة للاستفسار عما حدث.
تواصلت عنب بلدي مع مديرية التربية في إدلب للاستفسار عن ملابسات الحالة، وما إذا كانت المديرية على علم بها، والإجراءات التي اتخذتها بشأنها، لكنها لم تتلقَّ ردًا حتى تاريخ نشر المادة.
وتمنع وزارة التربية الضرب والعقاب الجسدي أو اللفظي في المدارس، بموجب تعاميم رسمية تؤكد منع الاعتداء على الطلاب تحت أي مبرر، والاستعاضة عنه بوسائل تربوية.
لكن النقاش حول العقاب الجسدي لم ينتهِ، ففي حين يراه بعض الأهالي أسلوبًا قديمًا لا مكان له في المدرسة، ما زال آخرون يرون أن المعلم يحتاج إلى وسائل حازمة لفرض الانضباط، خاصة في الصفوف المكتظة.
حنان أبو شلحة، البالغة من العمر 45 عامًا، لديها ابنة في الصف العاشر، وتتذكر أنها تعرضت للضرب خلال سنوات دراستها.
لا ترى حنان أن الضرب ترك أثرًا سيئًا عليها، وقالت إن تجربتها الشخصية تجعلها مختلفة عن أشخاص يرفضون العقاب الجسدي بشكل كامل.
وبحسب حنان، ما زال المجتمع السوري منقسمًا حول العقاب الجسدي في المدارس، فهناك من يراه وسيلة لتأديب الطفل وفرض هيبة المعلم، مقابل آخرين يرفضونه ويبحثون عن طرق مختلفة للتعامل مع الطلاب.
وتربط حنان جزءًا من هذا الخلاف بطريقة تربية الأطفال داخل المنزل، فبعض الأهالي، بحسب رأيها، لا يربون أبناءهم على الحوار والالتزام بالقواعد من دون عقاب مباشر، ثم يُطلب من المدرسة أن تتعامل معهم بأساليب تربوية مختلفة تمامًا.
وترى أن الأمر يصبح أكثر صعوبة داخل الصفوف التي تضم عشرات الطلاب.
وقالت إن الأهل قد يجدون صعوبة أحيانًا في ضبط طفل أو طفلين في المنزل، فكيف يستطيع المعلم التعامل مع 40 أو 50 طالبًا في الصف من دون أن تكون لديه أدوات واضحة للانضباط؟
بالنسبة إلى حنان، كانت هيبة المعلم في السابق مرتبطة بقدرته على فرض النظام داخل الصف وضبط سلوك الطلاب، وكان العقاب الجسدي إحدى الوسائل المستخدمة لتحقيق ذلك.
وتروي أن ابنتها اشتكت لها مرة من إحدى المعلمات، فذهبت معها إلى المدرسة، وقالت للمعلمة أمام ابنتها إن المعلم، من وجهة نظرها، يكون دائمًا على حق في التعامل مع الطالب.
لكنها لا تختصر التغير الذي طرأ على المدرسة بالضرب وحده، إذ قالت إن المدرسة كانت تؤدي في السابق دورًا أكبر في تعليم القيم والسلوكيات الاجتماعية، بينما تغير هذا الدور مع السنوات، كما تغيرت علاقة الطلاب بالمدرسة والمعلمين.
وترى أن الانتقال إلى أساليب تربوية جديدة يحتاج إلى وقت، لأن المدرسة لا تعمل وحدها، والطفل يأتي إليها من بيئة أسرية لها طريقتها الخاصة في التربية.
ولهذا، بحسب حنان، لا يكفي أن يُمنع المعلم من الضرب، من دون أن تعرف الأسرة والمدرسة معًا كيف ستتعاملان مع السلوكيات الصعبة.
في المقابل، لا ترى زينب ريشة، وهي مدرسة لغة إنجليزية وأم لطفلين في الصفين الخامس والثالث، أن ازدحام الصف يمكن أن يكون سببًا كافيًا للجوء إلى الضرب.
وقالت زينب، إنها لم تحتج إلى ضرب أي طالب طوال تجربتها في التدريس، حتى مع وجود أعداد كبيرة من الطلاب داخل الصف.
بالنسبة إليها، يمكن للمعلم أن يفرض حضوره من خلال الحزم، ووضع حدود واضحة للتعامل داخل الصف.
وعندما يكرر الطالب سلوكًا مزعجًا، يمكن للمعلم، بحسب زينب، التواصل مع أهله، وإذا لم يستجب الأهل، تستطيع المدرسة اللجوء إلى إجراءات أخرى وفق الحالة والنظام المتبع لديها.
ولا ترى زينب أن الحفاظ على الانضباط يحتاج بالضرورة إلى العقاب الجسدي، وتعتبر أن شخصية المعلم وطريقة تعامله مع الطلاب يمكن أن تكونا جزءًا من ضبط الصف.
لا تتوقف آثار الضرب عند لحظة العقاب نفسها، بحسب ما قالته الاختصاصية الاجتماعية بشرى مروة في حديث إلى عنب بلدي.
وترى مروة أن الطفل قد يستجيب للضرب بسرعة، لكنه قد يتعلم بذلك الاستجابة خوفًا من العقوبة أكثر من فهم سبب السلوك المطلوب منه تغييره.
وفي حالة الطفل الذي قال والده إنه تعرض للضرب في مدرسة بإدلب، يمكن أن يصبح الأمر أكثر تعقيدًا إذا شعر الطفل بعد الحادثة أنه عوقب مرة أخرى بالفصل من المدرسة، فالمدرسة بالنسبة إلى الطفل مكان للتعلم والأمان، وعندما يرتبط وجود المعلم لديه بالخوف أو الأذى، قد يتأثر شعوره بالأمان والثقة داخلها.
ولا يعني ذلك أن كل طفل يتعرض للضرب سيظهر عليه الأثر نفسه، لكن الاختصاصية تربط التعامل مع العقاب الجسدي بعمر الطفل، وطريقة حدوثه، وما يرافقه من مشاعر ومواقف.
أما عبارة “نحنا انضربنا وما تعقدنا” فتراها الاختصاصية غير كافية للحكم على الطريقة التربوية نفسها، لأن عدم تذكر شخص لضرر واضح من تجربة ما لا يعني بالضرورة أن الوسيلة كانت مناسبة أو خالية من الآثار.
بالنسبة إلى الأستاذ عمار الخطيب، الحاصل على دبلوم في التأهيل التربوي، فإن الوصول إلى مدرسة لا تستخدم العقاب الجسدي يحتاج إلى تعاون بين المدرسة والأسرة والمجتمع.
ويقترح الخطيب وسائل عملية يمكن للمعلم استخدامها داخل الصف، منها وضع اتفاق واضح مع الطلاب حول قواعد الصف، واستخدام التشجيع والمكافأة للسلوك الإيجابي، إضافة إلى حرمان الطالب مؤقتًا من بعض الامتيازات عند تكرار السلوك المخالف.
كما يمكن تغيير طريقة تنظيم الصف والاعتماد على أنشطة أكثر تفاعلًا، بدل أن يبقى الطالب في وضع المتلقي طوال الحصة.
ويرى الخطيب أن استمرار بعض المعلمين في استخدام الضرب رغم منعه يرتبط بعوامل عدة، منها الثقافة الاجتماعية التي نشأ عليها المعلم، ونقص التدريب على إدارة الصف، إلى جانب اكتظاظ الصفوف والضغوط الاقتصادية والنفسية التي يعيشها المعلم والطلاب والأسر.
وأشار إلى أن الصفوف التي تضم 40 أو 50 طالبًا تجعل إدارة الصف أكثر صعوبة، في حين أن العدد الأنسب، بحسب الخطيب، يتراوح بين 20 و25 طالبًا.
لا يرى الخطيب أن المجتمع السوري وصل بالكامل إلى مرحلة يمكن فيها الانتقال إلى أساليب تربوية حديثة من دون صعوبات.
لكنه يلمس، في الوقت نفسه، رغبة متزايدة في التغيير، خاصة لدى الأهالي الأصغر سنًا وبعض المعلمين الشباب الذين يبحثون عن طرق مختلفة للتعامل مع الأطفال.
ويحتاج هذا التغيير، بحسب الخطيب، إلى أكثر من مطالبة المعلم بعدم الضرب، فالأسرة والمدرسة بحاجة إلى قواعد مشتركة، وتواصل مستمر، وتدريب للكوادر التعليمية على إدارة الصف، إلى جانب تخفيف الاكتظاظ وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي عندما يكون متاحًا.
في الصف، لا يواجه المعلم طفلًا منفصلًا عن بيته، إذ يدخل الطالب إلى المدرسة محمّلًا بطريقة تربيته، بينما يدخل المعلم إلى الصف بخبرته وضغوطه وطريقته في فهم الانضباط.
وبين الاثنين، يبقى السؤال عن الطريقة التي يمكن بها الحفاظ على هيبة المعلم وضبط الصف، من دون أن يصبح الضرب الأداة الأسهل.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى