العالم داخل علبة سردين.. أخلاق القوة في زمن الحروب الجديدة
عماد الحصري
ليست مشكلة التاريخ مع الأنظمة الاستبدادية أنها تسقط، بل ربما العكس تمامًا. فالتاريخ السياسي للبشرية يكاد يكون سلسلة متعاقبة من انهيار الأنظمة المغلقة عندما تبلغ حدودها القصوى في القمع أو عندما تفقد قدرتها على التكيف مع مجتمعاتها. من هذه الزاوية لا يبدو سقوط أي نظام سلطوي حدثًا استثنائيًا، بل لحظة مألوفة في الدورة الطويلة للصراع بين السلطة والمجتمع.
والنظام الذي حكم إيران لعقود طويلة بعقلية أيديولوجية مغلقة، والذي قام على بنية سلطوية وأمنية وأدار سياسات قمعية بحق ملايين الإيرانيين، وارتبط اسمه أيضًا بتدخلات إقليمية ساهمت في تعميق أزمات المنطقة، لا يخرج عن هذه القاعدة التاريخية. بل يمكن القول إن نهاية نظام من هذا النوع قد تكون، من حيث المبدأ، مصلحة حقيقية للشعب الإيراني نفسه قبل أن تكون مكسبًا لأي طرف آخر.
غير أن المشكلة الحقيقية لا تبدأ عند سقوط النظام نفسه، بل عند الطريقة التي يُعاد فيها إدراج هذا السقوط داخل المسرح السياسي الدولي. فالأحداث السياسية الكبرى لا تبقى محصورة في معناها الداخلي، بل يجري دائمًا إعادة تأطيرها ضمن سردية أوسع تتحكم بها موازين القوى العالمية. وهنا تتحول لحظة السقوط، التي قد تبدو في ظاهرها انتصارًا لحق الشعوب في التحرر، إلى فرصة لإعادة توزيع الأدوار الأخلاقية على المسرح الدولي.
وقد اكتسب هذا السؤال بعدًا أكثر حدة بعد وقوع الضربة العسكرية الأمريكية وما تبعها من حرب معلنة وتداعيات إقليمية متسارعة. فالحدث لم يعد مجرد احتمال سياسي أو تصعيد قابل للاحتواء، بل أصبح واقعًا يفرض نفسه على المنطقة والعالم، ويعيد فتح ملفات قديمة حول طبيعة النظام الإقليمي وتوازناته.
في هذه اللحظة تحديدًا يظهر من يتقدم إلى الواجهة بصفة “المنقذ”، حاملًا خطابًا أخلاقيًا يتحدث عن الحرية أو الاستقرار أو إنقاذ المنطقة من الفوضى. والمفارقة أن بعض هؤلاء الفاعلين هم أنفسهم شخصيات ارتبطت سياساتها بحروب أو تدخلات أو قرارات أثارت جدلًا واسعًا في العالم. ومع ذلك، يصبحون فجأة أصحاب الرواية الأخلاقية الجديدة.
لكن لفهم هذه المفارقة لا يكفي الحديث عن ازدواجية المعايير. فازدواجية المعايير تفترض وجود معيار أخلاقي ثابت يتم خرقه أحيانًا. أما في النظام الدولي المعاصر فالمشكلة أعمق: المعيار نفسه يتغير تبعًا لموقع القوة. فالسياسة هنا لا تكتفي بانتهاك الأخلاق، بل تعيد تعريفها وفق موازين القوة.
ومن هذه الزاوية يصبح السؤال الأكثر أهمية ليس فقط لماذا وقعت الضربة، بل لماذا وقعت في هذا التوقيت تحديدًا. فالتاريخ السياسي لا يتحرك فقط وفق الأسباب المعلنة، بل أيضًا وفق حسابات التوقيت. وقد يكون ما نشهده محاولة لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي قبل أن تتشكل توازنات جديدة أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للضبط.
وفي هذا السياق تبدو التحولات في علاقة النظام الإيراني بمحيطه الإقليمي ذات دلالة خاصة. فالنظام الذي استطاع خلال عقود طويلة أن يبني شبكة واسعة من التحالفات والأدوات السياسية والعسكرية، اعتمد في كثير من الأحيان على مزيج من الردع الأيديولوجي والتفاهمات البراغماتية.
لكن المفارقة أن بعض القوى التي كانت حتى الأمس القريب تلعب دور الوسيط أو الشريك في إدارة التوازنات، وخصوصًا في بعض دول الخليج، بدأت تظهر اليوم في موقع مختلف تمامًا. وكأن ما كان يُقدَّم سابقًا بوصفه شبكة توازنات إقليمية يتحول تدريجيًا إلى أدوات ضغط في معادلة سياسية جديدة.
وهنا يبرز سؤال آخر: هل الهدف هو مجرد إضعاف النظام الإيراني سياسيًا واقتصاديًا، أم أن هناك وظيفة أعمق لهذا التحول؟ أي محاولة إقناع الجميع بأن الدور الذي لعبه هذا النظام خلال العقود الماضية قد انتهى، وأن استمراره لم يعد مجرد مشكلة سياسية لبعض الدول، بل أصبح عبئًا تاريخيًا لا بد من إنهائه.
بهذا المعنى لا تتحول الضربة إلى مجرد عمل عسكري أو ضغط اقتصادي، بل إلى إعلان سياسي عن نهاية مرحلة كاملة من توازنات المنطقة. مرحلة بدأت عمليًا بعد نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي، عندما وجد النظام الإيراني نفسه داخل نظام دولي جديد أعاد توزيع موازين القوة.
ولهذا السبب يمكن أن نشهد تحولات تبدو للوهلة الأولى شديدة التناقض. فشخص كان حتى الأمس القريب مصنفًا إرهابيًا ومطلوبًا بجائزة مالية، قد يتحول فجأة إلى شريك أو حليف. لا لأن تاريخه تغير، بل لأن موقعه داخل شبكة المصالح تبدل.
في هذه اللحظة تحديدًا يصبح العالم السياسي أشبه بخط إنتاج ضخم. وهنا يمكن فهم الاستعارة الأكثر دقة لوصف النظام الدولي المعاصر: العالم يبدو اليوم وكأنه علبة سردين ضخمة.
في هذه العلبة لا تتغير الحدود لتناسب الأسماك، بل على الأسماك أن تنكمش وتتخذ الشكل الذي تسمح به العلبة. الأمر لا يتعلق بالدول فقط، بل بالبشر أيضًا. فالنظام العالمي الجديد لا يكتفي بإدارة القوة، بل يعمل على تحويل المجتمعات والأنظمة وحتى الأفكار إلى منتجات معيارية تدخل جميعها في قالب واحد.
فالأنظمة تتحول إلى خطوط إنتاج، والسياسات إلى عمليات تعبئة، والشعوب إلى محتوى يُرتَّب بعناية داخل العلبة. ومن لا يستطيع التكيف مع هذا الشكل المحدد مسبقًا لا يُطلب منه التفاوض، بل يُدفع ببساطة إلى خارج السوق.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة في عالم السياسة المعاصر. فالمشكلة ليست فقط في أن الظلم يمكن أن يستمر، بل في أن النظام الذي ينتجه يمتلك قدرة هائلة على تقديم نفسه بوصفه الحل. فالقوة لا تصنع الواقع فقط، بل تصوغ أيضًا اللغة التي يُفهم بها هذا الواقع.
وعندما تنجح القوة في احتكار اللغة، تصبح السياسة أقل التزامًا بالأخلاق لكنها تصبح أكثر مهارة في أن تبدو أخلاقية.
وفي ختام هذا النقاش، من الضروري توضيح نقطة أساسية: إن قراءة الأحداث بهذه الطريقة لا تعني الانزلاق إلى نظريات المؤامرة. لكنها تعني الاعتراف بأن السياسة الدولية تقوم في جوهرها على تقاطع المصالح المتغيرة باستمرار. هذه التقاطعات هي التي تصنع الوقائع الجديدة، وهي التي تدفع الدول إلى إعادة تعريف تحالفاتها وخصوماتها. وغالبًا ما تجد الشعوب نفسها داخل هذه المعادلات، تتحرك وفق مسارات رسمتها تلك المصالح، سواء برضاها أو رغم إرادتها. فالعالم، في نهاية المطاف، لا يتحرك فقط بما تريده الشعوب، بل أيضًا بما تسمح به العلبة التي وُضع فيها الجميع.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :






