الغلاء يلاحق السوريين.. خبيران يقيّمان الواقع الاقتصادي

أحد الأسواق في مدينة بانياس بطرطوس ـ 2 آذار 2026 (عنب بلدي/ شعبان شاميه)

camera iconأحد الأسواق في مدينة بانياس بطرطوس ـ 2 آذار 2026 (عنب بلدي/ شعبان شاميه)

tag icon ع ع ع

تشهد الأسواق السورية موجة جديدة من غلاء الأسعار، طالت العديد من السلع الأساسية والمواد الغذائية، في ظل ظروف اقتصادية معقدة ترهق السوريين.

وتنعكس هذه الموجة الجديدة من الغلاء بشكل مباشر على الأوضاع المعيشية للسوريين، حيث تتسع الفجوة بين مستويات الدخل والأسعار، الأمر الذي يدفع العديد من الأسر إلى تقليص استهلاكها أو التخلي عن بعض السلع الأساسية.

كما يؤدي استمرار ارتفاع الأسعار إلى زيادة معدلات التضخم في الأسواق المحلية، وهو ما يهدد بمزيد من التدهور في القدرة الشرائية ويعمّق التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها السوريون في حياتهم اليومية.

غلاء بوتيرة مفاجئة

قامت عنب بلدي بجولة في عدد من أسواق المحافظات السورية، ولوحظ غلاء الأسعار بوتيرة مرتفعة خلال الأسبوع الحالي، إذ ارتفعت بعض السلع حوالي 50%.

وتراوح سعر كيلو الفروج بين 34 و39 ألف ليرة سورية، بعدما كان الأسبوع الماضي بين 28 و32 ألف ليرة سورية، ووصل سعر كيلو شرحات الدجاج لحوالي 80 ألف ليرة سورية، بعدما سجل 52-56 ألف ليرة سورية، أما كيلو “فخاذ الوردة” فسجل سعر 50 ألف ليرة سورية، بعدما كان 35 ألف ليرة سورية.

الخضار أيضًا لم تكن بمنأى عن موجة الغلاء، إذ سجل كيلو البندورة في أسواق دمشق 20 ألف ليرة سورية، بعدما سجل في الأسبوع الماضي 12 ألف ليرة سورية، وكيلو الخيار والفليفة سجلا سعر 18 ألف ليرة سورية، بينما كان سعرهما 11-15 ألف ليرة سورية، وكيلو الليمون تجاوز سعره 25 ألف ليرة سورية، بعدما كان يباع حوالي 18 ألف ليرة سورية.

الغلاء طال أيضًا أصناف الحلويات وعصائر والفاكهة، وحتى أسعار الألبسة.

عدد من الباعة، التقتهم عنب بلدي، أكدوا تراجع حركة البيع بنسبة كبيرة، وأصبحت حالات البيع تقتصر على عينات صغيرة.

وأرجعوا الغلاء، لعدة عوامل أهمها ارتفاع أجور النقل ونقص بالمنتج المحلي، وإغلاق استيراد بعض الأصناف الزراعية والحيوانية.

تضخم هيكلي ومستورد

هذه الموجة الجديدة من ارتفاع الأسعار، تطرح تساؤلات عديدة حول أسبابها الحقيقية، ومدى ارتباطها بالمتغيرات الاقتصادية المحلية والإقليمية، فضلًا عن تأثيراتها المباشرة على القدرة الشرائية للأسر السورية ومستويات المعيشة.

كما تثير مخاوف من احتمال استمرار الضغوط التضخمية خلال الفترة المقبلة إذا لم تُتخذ إجراءات تحد من تسارع الأسعار.

الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي في كلية الاقتصاد بجامعة “حماة” الدكتور عبد الرحمن محمد، قال إن الاقتصاد السوري يشهد في عام 2026 موجة تضخمية جديدة وعنيفة، توصف بأنها الثانية من نوعها من حيث الحدة خلال فترة قصيرة، حيث قفزت أسعار المواد الأساسية بشكل غير مسبوق لتسجل أرقامًا قياسية تفوق قدرة المواطن على التحمل.

“موجة الغلاء الحالية التي نعيشها ليست مجرد ارتفاع موسمي عابر، بل هي تضخم هيكلي ومستورد في آن واحد”، بحسب ما قاله الدكتور محمد خلال حديثه إلى عنب بلدي.

ويرى محمد أنه يمكن توصيف أسبابها الاقتصادية من خلال تحليل العوامل التالية:

1. صدمة العرض مقابل زيادة الطلب الموسمية: مع حلول شهر رمضان، يزداد الطلب الاستهلاكي بشكل حاد على المواد الغذائية واللحوم، مما يشكل ضغطًا تصاعديًا على الأسعار.

في المقابل، يعاني العرض المحلي من محدودية حادة نتيجة عوامل طبيعية كالجفاف، وضعف الإنتاج الزراعي والحيواني بسبب ارتفاع تكاليف المدخلات، مما يخلق فجوة سعرية كبيرة.

2. ارتفاع تكاليف الإنتاج بشكل جنوني: يعاني المزارع السوري من ارتفاع غير مسبوق في تكاليف مستلزمات الإنتاج، وأبرزها الأسمدة التي ارتفعت بشكل كبير نتيجة تقلبات سعر الصرف وارتباطها بالاستيراد، على سبيل المثال، قفز سعر طن سماد اليوريا بشكل مفاجئ، مما ينعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج وبالتالي على السعر النهائي للمستهلك.

كذلك، تتزايد أجور اليد العاملة وأجور النقل (التي ترتبط بسعر المحروقات)، مما يزيد العبء على الفلاح ويقلص هامش الربح لديه أو يدفعه لرفع الأسعار.

3. ضعف العملة والتضخم المستورد: على الرغم من الحديث عن استبدال العملة وحذف الأصفار، فإن قيمة الليرة السورية لا تزال تعاني من الضعف أمام الدولار، مما يجعل الغلاء “مستوردًا”.

فالاقتصاد السوري يعتمد بشكل كبير على الاستيراد، سواء للمواد التامة الصنع أو للمواد الأولية ومستلزمات الإنتاج، أي تراجع في سعر الصرف يترجم فورًا إلى ارتفاع في أسعار السلع المستوردة والمحلية على حد سواء.

4. اضطراب سلاسل التوريد وتكاليف النقل: تتأثر سلاسل التوريد بعوامل داخلية كضعف البنى التحتية، وعوامل خارجية كالتوترات الجيوسياسية في المنطقة، وهذه الاضطرابات تؤدي إلى تعطل بعض طرق النقل وزيادة تكاليف الشحن، مما ينعكس بدوره على أسعار السلع في الأسواق المحلية.

5. غياب التدخل الفعال وآليات السوق غير المنضبطة: مع اعتماد وزارة الاقتصاد بشكل واسع على سياسة السوق الحر، وغياب الرقابة الفعالة على أسواق الجملة والتجزئة، يلعب التجار وأصحاب البقاليات دورًا أساسيًا في المضاربة على الأسعار، في كثير من الأحيان، تذهب الزيادات الكبيرة في الأسعار إلى جيوب الوسطاء، بينما يبقى المزارع يتقاضى ثمنًا زهيدًا لإنتاجه لا يغطي كلفته.

تضخم غذائي حاد

أما الباحث الاقتصادي محمد السلوم، فيعتبر أن السوق السوري يشهد موجة غلاء جديدة يمكن توصيفها اقتصاديًا بأنها موجة تضخم غذائي حاد ومتسارع، وليست مجرد زيادة موسمية مرتبطة بدورة الطلب المعتادة.

من منظور اقتصادي، يمكن فهم هذه الموجة عبر تداخل عدة عوامل بنيوية، بحسب رؤية السلوم في حديثه إلى عنب بلدي، وهي:

  • الارتفاع المستمر في تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة، حيث لا تزال سلاسل الإمداد الغذائية تعتمد بدرجة كبيرة على الوقود المستورد أو مرتفع الكلفة، ما يضيف أعباء إضافية على كل حلقة من حلقات سلسلة القيمة الغذائية، بدءًا من المزرعة مرورًا  بالنقل والتخزين، وصولًا إلى منافذ البيع.
  • العامل الثاني يتمثل في اختناقات العرض الناتجة عن ضعف الإنتاج المحلي من جهة، وتعقيدات الاستيراد أو تأخر منح الإجازات من جهة أخرى، وهو ما يخلق في كثير من الأحيان حالة نقص فعلي أو متوقَّع في المعروض، وفي مثل هذه البيئات غير المستقرة يميل التجار إلى التسعير وفق ما يمكن تسميته “سعر الغد” بدلًا من “سعر اليوم”، تحسبًا لارتفاعات لاحقة في التكاليف.
  •  العامل الثالث يرتبط بارتفاع الطلب الموسمي مع حلول شهر رمضان، وهو عامل تقليدي في الأسواق السورية، إلا أنه يعمل هذه المرة فوق أرضية تضخمية هشة تراكمت على مدى سنوات طويلة.
  • أما العامل الرابع فهو الإرث التضخمي الثقيل الذي تراكم منذ عام 2019، حيث شهدت أسعار السلع الأساسية زيادات تراكمية كبيرة أضعفت قيمة العملة المحلية وأفرغت الأجور من مضمونها الحقيقي، بحيث أصبحت أي صدمة جديدة، لو كانت محدودة، قادرة على إحداث قفزات سعرية ملحوظة.

وفي السياق الجيوسياسي الأوسع، لا يمكن إغفال تأثير التوترات الإقليمية، بما فيها التصعيد بين إيران وإسرائيل.

صحيح أن العلاقة ليست مباشرة على مستوى الأسعار اليومية للسلع في الأسواق المحلية، إلا أن هذه التطورات ترفع تكاليف الطاقة والنقل والشحن والتأمين في المنطقة، وتزيد من مخاطر اضطراب الإمدادات، بحسب السلوم.

وبالنسبة لاقتصاد هش يعتمد على الواردات في جزء مهم من احتياجاته الغذائية والنفطية، فإن هذه الصدمات الخارجية تضاعف الضغوط التضخمية القائمة أصولًا.

نسبة التضخم بالربع الأول 100%

يقدّر الدكتور عبد الرحمن محمد، بناء على المعطيات المتاحة وتحليل اتجاهات الأسواق، نسبة التضخم الحالية، والتي تعتبر مرحلة “تضخم الركود” الحاد، كما يلي:

التقديرات تشير إلى أن معدل التضخم السنوي في الربع الأول من عام 2026 يتجه للاقتراب من حوالي 100% أو أكثر، محذرًا من أن بعض التوقعات المحذرة تذهب إلى احتمالية تسجيل تضخم يتجاوز 124%.

ويلخص الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية بالآتي:

  • تآكل القدرة الشرائية: النتيجة المباشرة والأكثر قسوة هي انهيار القوة الشرائية للمواطن السوري، حيث لم تعد الرواتب والأجور قادرة على مواكبة الارتفاع الجنوني في الأسعار، مما يدفع الأسر إلى تقليص استهلاكها من المواد الأساسية والاستغناء عن بعضها.
  • انخفاض الإقبال على الشراء: المفارقة أن الأسعار ترتفع بينما يقل الإقبال على الشراء بنسب تصل إلى 40% كما حدث في بداية رمضان، مما يعكس حالة الركود التضخمي حيث يجتمع ارتفاع الأسعار مع كساد السوق.
  • تفاقم الفقر والبطالة: هذه الأوضاع تدفن أي أمل بتحسن سريع لمستوى المعيشة، وتزيد من معدلات الفقر والبطالة التي تتجه نحو مستويات قياسية قد تصل إلى 60% من القوى العاملة في سيناريوهات متدهورة.

توقعات للتضخم السنوي

الباحث محمد السلوم يتوقع أن يتراوح معدل التضخم السنوي العام في سوريا قد يدور حاليًا في نطاق يتراوح بين 40 و70 بالمئة، في حين يمكن أن يصل التضخم الغذائي في بعض السلع إلى مستويات أعلى قد تقترب من 60 إلى 100%، مع تفاوتات ملحوظة بين المناطق والمحافظات.

انعكاسات هذه الموجة، بحسب رأي السلوم، تتجاوز الجانب الاقتصادي البحت لتطال البعد الاجتماعي بشكل مباشر.

فظاهرة “فقر الغذاء” تتسع تدريجيًا، حيث تضطر العديد من الأسر إلى تقليص استهلاك البروتينات والفواكه والتحول نحو سلع أرخص وأقل جودة، وأحيانًا مجهولة المصدر، بما يحمله ذلك من آثار صحية محتملة على المدى المتوسط.

كما يؤدي تسارع الأسعار إلى إضعاف قدرة المنتجين والتجار على التخطيط، ويوسّع من حجم الاقتصاد غير المنظم، ويعزز ظاهرة التسعير على أساس العملات الأجنبية أو كلفة الاستبدال، وفقًا للسلوم.

ما الآثار؟

قال الدكتور عبد الرحمن محمد، إن التأثيرات الاقتصادية إثر موجة التضخم، تتمثل في:

تراجع الإنتاج المحلي: ارتفاع التكاليف وعدم الجدوى الاقتصادية يدفع الكثير من المزارعين والمنتجين إلى تقليص مساحاتهم الزراعية أو التوقف عن العمل، مما يزيد الاعتماد على الاستيراد ويخلق حلقة مفرغة في ارتفاع الأسعار.

توسع السوق الموازية وضعف الاقتصاد الرسمي: يؤدي التضخم الجامح إلى فقدان الثقة بالعملة الوطنية، ويزيد من الدولرة (التعامل بالقطع الأجنبي)، ويوسع رقعة السوق السوداء على حساب الاقتصاد المنظم.

استنزاف المدخرات: يفقد المواطنون أي مدخرات نقدية كانت بحوزتهم، مما يقضي على أي فرصة لتكوين رأس مال محلي يمكن استثماره في المستقبل .

مطالب بدعم الإنتاج ومراقبة الأسواق

اقترح الدكتور عبد الرحمن محمد، مجموعة من الحلول العاجلة، والتي تعتبر حزمة من السياسات العاجلة والاستراتيجية:

  • التدخل المباشر لدعم الإنتاج: بدلًا من الدعم العشوائي للسلع، يجب التوجه نحو “دعم نقدي ذكي” للمواطنين الأكثر حاجة بالتوازي مع دعم مستلزمات الإنتاج للمزارعين والصناعيين المحليين (أسمدة، وبذار، ومحروقات) لزيادة المعروض وكسر حلقة الاحتكار.
  •  مراقبة الأسواق وكسر الاحتكار: تفعيل دور وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك لمراقبة سلاسل التوريد من المزرعة إلى المستهلك، والتصدي بحزم لاحتكار الوسطاء والمضاربات غير المشروعة بالأسعار.
  • العمل على استقرار سعر الصرف: لا يمكن السيطرة على التضخم دون محاولة جادة لضبط سوق القطع الأجنبي عبر تعزيز الاحتياطي من العملات الصعبة، وخلق آليات شفافة لتدفق الحوالات الخارجية والاستثمارات.
  • استراتيجية وطنية للتحول الاقتصادي: الانتقال من سياسة “إدارة الأزمة” إلى “صناعة النمو” عبر وضع خطط طموحة لتحقيق سيادة الغذاء والطاقة، والاستثمار في رأس المال البشري السوري في الداخل والخارج، وتحويل الاقتصاد من الريعي إلى الإنتاجي.

آليات دعم ذكية

يرى الباحث الاقتصادي محمد السلوم، أنه على صعيد المعالجة، فإن المقاربة الواقعية تقتضي الجمع بين إجراءات إسعافية قصيرة الأجل وإصلاحات تدريجية أعمق.

فعلى المدى القريب تبدو الحاجة ملحّة لاستهداف السلع الغذائية الأساسية بآليات دعم ذكية ومركّزة، إلى جانب مراجعة قيود الاستيراد المتعلقة بالسلع والمدخلات الحرجة، وضبط هوامش الربح في حلقات الوساطة بما يتناسب مع الكلفة الفعلية.

أما على المدى المتوسط، فإن الاستقرار النسبي للأسعار يظل مرهونًا بتخفيض تكاليف الإنتاج المحلي في قطاعات الزراعة والدواجن والتصنيع الغذائي، وتحسين بيئة سعر الصرف، وبناء شراكة أكثر فاعلية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني لإدارة ملف الأمن الغذائي، خاصة في المواسم الحساسة التي يرتفع فيها الطلب مثل شهر رمضان.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة