
التغيرات الاجتماعية والثقافية تترك أثرًا واضحًا على المفاهيم والأدوار في العلاقة الزوجية تحتاج إلى منهجية مدروسة لتجاوزها (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

التغيرات الاجتماعية والثقافية تترك أثرًا واضحًا على المفاهيم والأدوار في العلاقة الزوجية تحتاج إلى منهجية مدروسة لتجاوزها (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)
عنب بلدي – شعبان شاميه
لم تعد العلاقات الزوجية في المجتمعات الحديثة مجرد مساحة خاصة بين شخصين، بل أصبحت مرآة تعكس التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعيشها المجتمع بأكمله.
فمع تغير الأدوار التقليدية بين الرجل والمرأة، وصعود حضور المرأة في المجال المهني والاقتصادي، برزت أسئلة جديدة حول مفهوم الشراكة داخل الأسرة، وحدود الاستقلالية، وطبيعة السلطة العاطفية بين الزوجين.
هذه التحولات لم تمر دائمًا بسلاسة، بل كشفت عن توترات خفية بين ما اعتدناه اجتماعيًا وما يفرضه الواقع الجديد.
في هذا السياق، يتزايد النقاش في الوسط الثقافي والاجتماعي حول قضايا حساسة تتعلق بالثقة، والغيرة، وتوقعات المجتمع من الرجل والمرأة، وكذلك الصراع غير المعلَن بين الطموح المهني والحياة العائلية.
فهل ما زالت مفاهيم السيطرة والأدوار التقليدية تتحكم في النظرة للعلاقة الزوجية؟ وهل يمكن أن يتحول نجاح أحد الشريكين إلى مصدر قلق للطرف الآخر بدل أن يكون سببًا للفخر المشترك؟
عزت الاستشارية النفسية الأسرية الدكتورة هبة كمال العرنوس، في حديث إلى عنب بلدي، أسباب تحول بعض العلاقات الزوجية المستقرة ظاهريًا لعلاقات مليئة بالشك والتوتر إلى تراكمات صغيرة غير معالَجة، معتبرة أن الشك غالبًا لا يبدأ من فراغ.
فعندما يغيب الحوار الصريح لفترة طويلة، تبدأ التفسيرات الشخصية بالسيطرة على المواقف اليومية، بحسب ما قالته العرنوس، إذ إن الإنسان يميل بطبيعته إلى ملء الفراغات بالمخاوف، وليس بالطمأنينة. لذلك نرى أن العلاقات التي تفتقر إلى الشفافية العاطفية تصبح أكثر عرضة للشك حتى دون وجود أسباب حقيقية.
ولفتت الاستشارية إلى أن الشك داخل العلاقة يتحول في بعض الحالات إلى أداة غير واعية للسيطرة.
فعندما يشعر أحد الطرفين بعدم الأمان الداخلي، قد يحاول التحكم في حياة الطرف الآخر بحجة الحماية أو القلق، بحسب العرنوس، مشيرة إلى أن هذا السلوك يعكس خوفًا عميقًا من الفقدان أو من فقدان المكانة داخل العلاقة.
ذكرت العرنوس أن تحقيق المرأة نجاحًا مهنيًا واضحًا قد يثير حساسية لدى بعض الرجال، لأن النجاح المهني للمرأة يواجه منظومة فكرية قديمة بُنيت على فكرة أن الرجل هو المصدر الرئيس للقوة أو الإنجاز داخل الأسرة.
وعندما تتغير هذه المعادلة، قد يشعر بعض الرجال بأن هويتهم التقليدية مهددة، بحسب الاستشارية، إذ إن المشكلة هنا ليست في نجاح المرأة، بل في التصور الضيق لدور الرجل.
وحول إمكانية أن تتحول استقلالية المرأة المهنية إلى مصدر توتر داخل الأسرة، ترى العرنوس أن التوتر لا يأتي من الاستقلالية نفسها، بل من غياب التوازن في التوقعات.
إذا كان أحد الطرفين يرى أن العمل مجرد وسيلة لتحقيق الذات، بينما يراه الطرف الآخر تهديدًا للحياة الأسرية، فستنشأ صراعات، وفق الاستشارية، مؤكدة أن الحل ليس في تقليص الطموح، بل في إعادة تعريف الشراكة داخل الأسرة.
يلعب المجتمع دورًا كبيرًا جدًا في خلق صراع خفي بين الرجل والمرأة حول العمل والنجاح، بحسب العرنوس، وكثير من الرجال والنساء لا يتصرفون بناء على رغباتهم الحقيقية، بل بناء على ما يعتقدون أن المجتمع يتوقعه منهم.
وأشارت الاستشارية إلى أن الرجل قد يشعر بأنه يجب أن يكون دائمًا المسيطر، والمرأة قد تشعر بالذنب تجاه طموحها، معتبرة أن هذه التوقعات الاجتماعية قد تخلق توترًا حتى في العلاقات التي تقوم على الحب.
وعن تقبل المجتمع لنجاح الرجل بسهولة أكبر من نجاح المرأة قالت العرنوس، إن الصورة التقليدية للنجاح بُنيت تاريخيًا حول الرجل. عندما ينجح الرجل يُنظر إليه كمن يؤدي دوره الطبيعي، بينما يُنظر إلى نجاح المرأة أحيانًا كأنه خروج عن الدور المتوقع.
هذه الفكرة تتغير تدريجيًا، وفق الاستشارية، لكنها ما زالت موجودة في كثير من البيئات الاجتماعية.
تحدثت العرنوس عن تأثير الغيرة عندما تختلط بمفهوم “الملكية العاطفية” داخل الزواج، إذ إن الغيرة الطبيعية قد تكون مؤشرًا على الاهتمام، لكنها تصبح خطرة عندما تتحول إلى شعور بالملكية.
وعندما يعتقد أحد الطرفين أن له حق التحكم الكامل في حياة الآخر، تتحول العلاقة من شراكة إلى علاقة سلطة، بحسب الاستشارية، وفي هذه الحالة تبدأ العلاقة بفقدان الاحترام المتبادل.
وحول الدور الذي تؤديه الضغوط المهنية أو الاجتماعية بخلق سوء فهم عاطفي داخل الزواج، قالت العرنوس، إن الضغط النفسي يجعل الإنسان أكثر حساسية وأقل قدرة على تفسير الأمور بموضوعية.
عندما يكون أحد الزوجين مرهقًا أو مشغولًا ذهنيًا، يفسر الطرف الآخر هذا الانشغال على أنه إهمال أو تغير في المشاعر، بينما يكون السبب ببساطة ضغوطات الحياة.
تنصح الاستشارية الأزواج بتجاوز صراع الأدوار التقليدية بين الرجل والمرأة، بإدراك أن الزواج الحديث يقوم على الشراكة لا على توزيع ثابت للأدوار.
يمكن للرجل أن يكون داعمًا، ويمكن للمرأة أن تكون طموحة، دون أن يفقد أي منهما مكانته داخل العلاقة، بحسب العرنوس، معتبرة أنه عندما يصبح الهدف هو بناء حياة مشتركة ناجحة، تتراجع فكرة الصراع.
وختمت الاستشارية النفسية الأسرية حديثها لعنب بلدي، بأن هناك رسالة يجب أن يدركها الأزواج في زمن تتغير فيه الأدوار الاجتماعية بسرعة، وهي أن العلاقة الصحية لا تقوم على من يملك السلطة الأكبر، بل على من يملك القدرة الأكبر على الفهم والتعاطف.
وعندما يشعر كل طرف بأن الآخر يدعمه ويحترم طموحه، تصبح العلاقة أكثر استقرارًا حتى في ظل التغيرات الاجتماعية الكبيرة.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى