
غالبًا ما يخلط الآباء بين الحزم التربوي الذي يرسم حدودًا واضحة وثابتة تحمي الطفل وبين التسلط من موقع القوة أو الخوف (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

غالبًا ما يخلط الآباء بين الحزم التربوي الذي يرسم حدودًا واضحة وثابتة تحمي الطفل وبين التسلط من موقع القوة أو الخوف (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)
عنب بلدي – شعبان شاميه
هناك أنماط مختلفة من التربية يتبعها الآباء في التعامل مع أبنائهم، حتى وإن كان هذا بشكل غير واعٍ، فقد تقوم بوصفك أبًا بتصرفات معيّنة تندرج تحت نوع محدد من أشكال التربية دون أن تعلم عنه شيئًا.
وباعتبار أن الأنماط التربوية على اختلافها تحمل مزايا وعيوبًا، فإنه سيكون من المفيد أن تتعلم عن أسلوب التربية الذي تتبعه، ما يمكّنك من تعديل العيوب ورفع قيمة المزايا، وبالتالي التعرف إلى كيفية تأثير هذا النوع من التربية في شخصية طفلك.
هناك أربعة أنماط رئيسة في الأبوة غالبًا ما تُصنف كالتالي: عدم التورط/الإهمال، الأبوة السلطوية، الأبوة المتساهلة، الأبوة الموثوقة.
كل نمط منها يتحدد بواسطة أمرين جوهريين، هما: مقدار مطالب الآباء من الأبناء، ودرجة استجابة الآباء لمطالب أبنائهم.
المطالب توضح الدرجة التي يتم بها وضع الحدود وفرض القواعد، والاستجابة تؤكد درجة احترام رغبات الطفل واحتياجاته.
تعتبر الاستشارية النفسية الأسرية الدكتورة هبة كمال العرنوس، في حديث إلى عنب بلدي، أن الفرق جوهري جدًا، بالرغم من أن بعض الآباء يخلطون بينهما.
الحزم التربوي يعني وجود حدود واضحة وثابتة تحمي الطفل وتنظم سلوكه، مع الحفاظ على كرامته وحقه في الفهم.
أما التسلط، بحسب الاستشارية، فهو فرض السيطرة من موقع القوة والخوف، دون اعتبار لحاجة الطفل النفسية أو مستوى نضجه.
توضح العرنوس أن الأب الحازم يقول لا، لكنه يشرح. يضع قاعدة، لكنه يربطها بمعنى. يتابع التنفيذ، لكنه لا يلجأ إلى الإهانة.
هدفه ليس كسر إرادة الطفل، بل مساعدته على بناء الضبط الداخلي. هو يفهم أن الطفل يحتاج إلى حدود حتى يشعر بالأمان، لأن الفوضى ترهق الطفل بقدر ما يرهقه القمع.
أما الأب المتسلط، فعلاقته بالسلطة قائمة على إثبات الهيبة، لا على التربية، بحسب الاستشارية، وبالتالي يطلب الطاعة الفورية لذاتها، ويرى في النقاش تهديدًا لمكانته، وقد يستخدم التخويف أو السخرية أو التحقير ليضمن الانصياع.
قالت الاستشارية النفسية الأسرية، إن بعض الآباء يعتقدون أن القسوة والسيطرة هي تربية صحيحة، باعتبار أن كثيرًا من الآباء لا يربون أبناءهم فقط، بل يعيدون تربية أنفسهم من خلالهم.
الأب يحمل داخله تاريخًا طويلًا من التجارب، من الخوف، من الحرمان، من القسوة التي ربما تعرض لها، وحين يصبح أبًا، لا يبدأ من الصفر، بل يبدأ من هذا المخزون.
وأضافت الاستشارية أن الأب عندما يقول أنا أريد مصلحتك، فهو غالبًا صادق، لكن المشكلة أن تعريفه للمصلحة قد يكون مشوهًا بخبراته القديمة، فيرى أن القسوة تبني، لأن أحدًا كان قاسيًا معه، ويرى أن الخوف يحمي، لأنه لم يعرف وسيلة أُخرى.
كثير من الآباء لا يمارسون السلطة لأنهم أقوياء، بل لأنهم يخافون، كما تؤكد الاستشارية، وهم يخافون من فشل أبنائهم، من انحرافهم، فيتحول الخوف إلى سيطرة، والسيطرة تلبس قناع التربية.
عن أخطر الممارسات التي يمارسها الأب ويظنها تربية، قالت العرنوس، إن الأخطر ليس السلوك نفسه، بل الرسالة النفسية العميقة التي تصل للطفل من خلاله، منبهة إلى رسائل تربوية للأب بينها:
هذه الرسائل، بحسب الاستشارية، لا تظهر فورًا، لكنها تبقى في البنية النفسية، وتتحول لاحقًا إلى قلق، أو شعور بالنقص، أو حاجة مفرطة لإرضاء الآخرين.
فالتربية لا تُقاس بما يفعله الأب فقط، بل بما يزرعه دون أن يقصد.
لفتت الاستشارية النفسية الأسرية إلى أن بعض الآباء يركزون على الطاعة أكثر من الفهم، لأن الطاعة تعطي شعورًا سريعًا بالسيطرة، بينما الفهم يحتاج إلى وقت وصبر.
الأب حين يرى ابنه يطيع، يشعر أنه نجح، لكن هذا النجاح ظاهري، بحسب الاستشارية، موضحة أن الطاعة تبني سلوكًا، لكنها لا تبني وعيًا.
وتابعت العرنوس أن الطفل الذي لا يفهم لماذا يفعل الشيء الصحيح، لن يستمر فيه حين يغيب الأب.
وتقارن الاستشارية بين التربية في العمق التي تقوم على الطاعة فقط وتنتج شخصًا يعتمد على الخارج، وينتظر التوجيه، ويخاف من اتخاذ القرار، في حين تصنع التربية التي تقوم على الفهم إنسانًا لديه بوصلة داخلية.
أشارت العرنوس إلى أن الطفل يبدو مطيعًا في الظاهر، لكن الثمن النفسي يكون مرتفعًا، فقد ينمو وهو خائف من الخطأ، أو ضعيف المبادرة، أو ممتلئ بالغضب المكبوت، أو مزدوج الشخصية بين الطاعة أمام السلطة والتمرد خارجها.
وتابعت أن التربية السليمة لا تحتاج إلى أب مرعب، بل إلى أب واضح، فالطفل لا يزدهر تحت التهديد المستمر، بل داخل علاقة فيها احترام وحدود واتساق. لهذا فإن الحزم الناضج يصنع شخصية متماسكة، بينما التسلط يصنع انكسارًا أو تمردًا أو نفاقًا دفاعيًا.
كما تخلق الأبوة السلطوية العديد من المشكلات لدى الفتيان أو الفتيات، بحسب دراسات، فمثلًا هذا النوع من التربية قد يرتبط سلبًا بالتحصيل الأكاديمي ومشاركة أقل في أنشطة الفصل الدراسي.
وبمرور الوقت، يواجه الأبناء صراعًا مع ضبط النفس واتخاذ القرارات.
ختمت الاستشارية النفسية الأسرية حديثها لعنب بلدي بتوصيات تربوية للأب، تشمل:
ويجمع نهج “الأبوة الموثوقة” لتنشئة الأطفال أفضل السلوكيات التي تتبعها أساليب الأبوة المختلفة، بحسب المتخصصة في علم النفس التنموي ديانا بومريند، إذ إن متطلبات الآباء من الأبناء والاستجابة لاحتياجاتهم يحدثان معًا بشكل منضبط وعقلاني، بلا تفريط أو إفراط في أي من الجانبين.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى