
وزير المالية السوري محمد يسر برنية يعرض وثيقة موازنة المواطن والموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2026 في مقر وزارة المالية السورية - 9 نيسان 2026 (عنب بلدي/أحمد مسلماني)

وزير المالية السوري محمد يسر برنية يعرض وثيقة موازنة المواطن والموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2026 في مقر وزارة المالية السورية - 9 نيسان 2026 (عنب بلدي/أحمد مسلماني)
يقدم تقرير الأداء المالي لموازنة عام 2025، الذي أعلنت عنه وزارة المالية السورية منذ أيام، صورة معقدة تجمع بين ارتفاع كبير في الإيرادات العامة وتوسع في الإنفاق وتحقيق فائض محدود، ما يستدعي تحليلًا هيكليًا لمصادر الإيرادات وأنماط الإنفاق لفهم طبيعة هذا التوازن المالي الجديد.
التقرير يعلن عن تحقيق فائض طفيف هو الأول من نوعه منذ عام 1990، وفقًا لما ذكره وزير المالية السورية محمد يسر برنية.
الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي قال، في حديث إلى عنب بلدي، إن القفزة في الإيرادات العامة في موازنة 2025 والبالغة ما يعادل 3.493 مليار دولار، بزيادة هائلة بلغت 120.2% مقارنة بعام 2024، تعود إلى عاملين رئيسيين هما:
وتصدرت الرسوم الجمركية هيكل الإيرادات بحصة 39%، ما يشير إلى اعتماد كبير على التجارة الخارجية كمصدر رئيسي للإيرادات الجارية، وهو ما يحمل مخاطر تتعلق بـ:
وفيما يتعلق بالإنفاق العام، يرى الدكتور قوشجي أن كتلة 41% من إجمالي الإنفاق الكلي للأجور والرواتب تعكس أولوية “الالتزامات التشغيلية والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
أعلنت المالية السورية عن تحقيق الموازنة فائض قدره 5 مليارات ليرة (46 مليون دولار)، أي ما نسبته 0.15% من الناتج المحلي الإجمالي (30.6 مليار دولار). وبالمقارنة، كان هناك عجز عام 2024 يبلغ 2.7% من الناتج المحلي، وهذا التحول من عجز إلى فائض وإن كان طفيفًا يعكس في الظاهر تحسنًا هيكليًا في الإدارة المالية.
ولكن هذا الفائض في الحقيقة، بحسب الخبير الاقتصادي السوري قوشجي، يدل على عدم تنفيذ الخطط المالية التي تسعى إلى معالجة مشاكل البنية التحتية في جميع القطاعات العامة.
ورغم تحقيق فائض لم يخف الضغط على انخفاض سعر الصرف، ولم يظهر أثره في سداد استحقاقات الرواتب والأجور، ولم يؤثر بشكل ملموس على الطلب الكلي أو الضغوط التضخمية.
وبالمقابل فإن الزيادة الكبيرة في الإيرادات تعكس تحسنًا في التحصيل الضريبي، أضاف قوشجي، لكن يجب الحذر إذا كانت الزيادة مدفوعة بضبط أساليب التحصيل من المنشآت الحالية، وليس بتوسع حقيقي في الاستثمار أو الإنتاج، فقد تكون طاردة للاستثمار في الأعوام المقبلة.
يرى الدكتور إبراهيم قوشجي أن العجز المتوقع لعام 2026 والبالغ نحو 1.8 مليار دولار، أي ما نسبته 17.1% من إجمالي الإنفاق، وحوالي 5.9% من الناتج المحلي المتوقع (بافتراض نمو الناتج)، هو عجز كبير مقارنة بفائض 2025، ويتطلب تمويلًا عبر الاقتراض الداخلي أو الخارجي (سندات خزينة).
وتشير التقديرات إلى أن إيرادات النفط والغاز ستمثل 28% من الإيرادات (حوالي 2.44 مليار دولار)، مع التأكيد على دخولها بكاملها إلى الموازنة العامة. هذا يحمل ثلاث دلالات، حسب قوشجي :
يُشير التقرير إلى “الاهتمام بالإنفاق الاجتماعي والاستثماري” في 2026، ثم تسارع أكبر في 2027 لتمويل مشاريع إعادة الإعمار ومكافحة الفقر.
وأكد الدكتور قوشجي أن هذا تحول استراتيجي مهم من الإنفاق الجاري (الأجور) إلى الإنفاق الرأسمالي، لكنه يضع تحديات:
ويحذر الخبير الاقتصادي والمالي السوري أن انكماش الفائض الحاد في الربع الرابع من 2025 يثير تساؤلات حول استدامة الانضباط المالي عند مواجهة ضغوط الإنفاق، ومع العجز المتوقع الكبير في 2026 (نحو 1.8 مليار دولار) سيحتاج إلى تمويل قد يكون تضخميًا إذا لم يُقترن بتمويل خارجي ميسر.
أما القفزة من إنفاق 3.4 مليار دولار في 2025 إلى 10.5 مليار في 2026 قد تصطدم بقدرات التخطيط والتنفيذ المؤسسية.
ويختتم الخبير السوري أن أداء 2025 يمثل خطوة إيجابية نحو الإدارة الرشيدة للمال العام، لكن طموحات 2026-2027 تتطلب مصادر تمويل موثوقة وقدرات تنفيذية أقوى، وإلا فإن العجز المتوقع قد يعيد إنتاج دورات العجز والديون التي عانى منها الاقتصاد السوري لعقود.
عرض وزير المالية السوري محمد يسر برنية، في 9 من نيسان، بنود الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2026، تحت عنوان (نسخة المواطن لموازنة 2026)، متعهدًا تعزيز الشفافية وإشراك المواطنين في فهم هذه البنود.
وفي مؤتمر صحفي حضرته عنب بلدي، قال برنية إن الوثيقة الجديدة تهدف إلى شرح بنود الموازنة للسنة 2026 بلغة مبسطة، تتضمن تعريف المصطلحات والأرقام، وتوضيح أوجه الإنفاق والإيرادات، وانعكاساتها المباشرة على حياة المواطنين، إلى جانب إبراز الفرص المتاحة للاستفادة منها.
وقال إن “هذه هي المرة الأولى في تاريخ سوريا التي يتم فيها تقديم الموازنة بهذا الشكل التوضيحي”.
وحسب البيانات التي قدمها برنية، تُقدّر إيرادات عام 2026 بنحو 959 مليار ليرة سورية (حوالي 8.7 مليار دولار)، مقابل نفقات تصل إلى 1056.7 مليار ليرة (نحو 10.5 مليار دولار)، بعجز يقارب 1.8 مليار دولار، أي ما يعادل 5 % من الناتج المحلي الإجمالي.
وسيكون تمويل العجز، يقول برنية، من خلال إصدار سندات وصكوك بشكل أساسي، وبعض الفوائد من خلال الصندوق السيادي.
من المقرر عرض مشروع الموازنة العامة، لسنة 2026، على مجلس الشعب لمناقشته قبل إقراره، حسب وزير المالية، في ظل تأكيد حكومي على أهمية تحقيق قبول شعبي واسع، مع إمكانية إصدار موازنات تكميلية في حال الحاجة إلى تعديل الأرقام أو التوجهات خلال العام، وإذا لزم الأمر تعديل الميزانية العامة.
وكشف الوزير أن إعداد موازنة عام 2027، بدأت فعليًا، على أن تُستكمل خلال شهري أيلول وتشرين الأول القادمين، لإتاحة الوقت الكافي لمناقشتها برلمانيًا قبل اعتمادها.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى