
أعمال صيانة خط غاز الجبسة المتضرر جراء عمل تخريبي في ريف دير الزور - 1 تشرين الأول 2026 (وزارة الطاقة السورية)

أعمال صيانة خط غاز الجبسة المتضرر جراء عمل تخريبي في ريف دير الزور - 1 تشرين الأول 2026 (وزارة الطاقة السورية)
عنب بلدي – غنى جبر
شهدت سوريا سلسلة من الاستهدافات والانفجارات التي طالت خطوط نقل النفط والغاز ومنشآت الطاقة، خلال الأشهر الأخيرة، من بينها انفجارات في خطوط غاز الجبسة والشولا، وخط محطة تشرين الحرارية، إضافة إلى استهداف خط نفط قرب تل حميس وخط بانياس- حمص.
وتثير هذه الحوادث تساؤلات حول خسائرها الاقتصادية وانعكاساتها على إمدادات الطاقة والنشاط الاقتصادي في البلاد.
وتتجاوز الخسائر الناجمة عن تضرر خطوط الغاز تكلفة إصلاح الأنابيب واستبدال الأجزاء المتضررة، لتشمل قيمة الكهرباء التي لم تُنتج خلال فترة التوقف، وتكلفة تعويضها، إضافة إلى خسائر توقف المصانع. وقد تضطر المنشآت إلى تقليص ساعات العمل أو عدد العاملين، أو تأجيل خطط التوسع والاستثمار بسبب ارتفاع المخاطر.
الحوادث الثلاثة الأخيرة التي شملت انفجار خط تصدير الغاز من معمل الجبسة في ريف الحسكة، وتضرر خط الجبسة قرب الشولا في ريف دير الزور، وانفجار خط الغاز المغذي لمحطة تشرين الحرارية، تسببت في عدم وصول نحو ثمانية ملايين متر مكعب من الغاز إلى محطات الكهرباء، ما يعادل إنتاج نحو 27 ألف ميجاواط ساعي، أو إنتاج سوريا من الكهرباء لنحو 12 ساعة، بحسب الخبير الاقتصادي محمود عبد الكريم.
وقدّر عبد الكريم، في حديث إلى عنب بلدي، الخسارة الاقتصادية للحوادث الثلاثة مجتمعة بما بين أربعة ملايين و19 مليون دولار، مشيرًا إلى أن تعويض الغاز المفقود عبر الاستيراد كان سيكلف الدولة نحو 5.9 مليون دولار.
ويرى الخبير الاقتصادي أن السرقة والتخريب، وليس تقادم الأنابيب وحده، يمثلان عاملين أساسيين في عدد من الحوادث الأخيرة، لافتًا إلى تسجيل تسعة حوادث ضد منشآت الطاقة خلال شهرين، ثبت أن ثلاثة منها على الأقل ارتبطت بالسرقة.
وبحسب تقديرات عبد الكريم، فإن استمرار الحوادث بالمعدل المسجل قد يؤدي إلى خسارة نحو 51 مليون متر مكعب من الغاز سنويًا، وهي كمية تكفي لإنتاج نحو 170 ألف ميجاواط ساعي من الكهرباء.
وقد تتراوح الخسائر السنوية بين 25.5 مليون دولار وفق تكلفة إنتاج الكهرباء لدى الدولة، و119 مليون دولار عند حساب ما يدفعه الناس للمولدات، بينما تبلغ تكلفة تعويض الغاز المفقود بالاستيراد نحو 37 مليون دولار سنويًا.
قد تتراوح الخسائر السنوية بين 25.5 مليون دولار وفق تكلفة إنتاج الكهرباء لدى الدولة، و119 مليون دولار عند حساب ما يدفعه الناس للمولدات، بينما تبلغ تكلفة تعويض الغاز المفقود بالاستيراد نحو 37 مليون دولار سنويًا.
محمود عبد الكريم
خبير اقتصادي
يمثل تقليص مدة التوقف وتسريع إصلاح خطوط الطاقة عاملين أساسيين في الحد من الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تضررها، إذ أظهرت الحوادث الأخيرة أن سرعة الاستجابة تسهم في استعادة الإمدادات وتقليل تكلفة التعويض.
واستعرض عبد الكريم حادثة خط الشولا، حيث عاد الخط إلى العمل خلال ثلاثة أيام ونصف إلى أربعة أيام، رغم أن التقديرات الأولية أشارت إلى أن الإصلاح قد يستغرق أسبوعًا إلى عشرة أيام.
وأوضح عبد الكريم أن تقليص فترة التوقف وفّر ما بين 2.9 و6.2 مليون متر مكعب من الغاز، وخفّض الحاجة إلى استيراد بديل بتكلفة تتراوح بين 2.1 و4.5 مليون دولار، فيما قد تصل الوفورات المحسوبة وفق تكلفة المولدات الخاصة إلى 14 مليون دولار.
كما يمثل نقص الغاز أحد أبرز التحديات أمام قطاع الكهرباء، إذ يبلغ الإنتاج المحلي نحو ثمانية ملايين متر مكعب يوميًا، مقابل احتياجات تقدّر بنحو 24 مليون متر مكعب، لذلك فإن حماية خطوط نقل الغاز وتنويع مسارات الإمداد ينبغي أن يتقدما على إصلاح محطات كهرباء قد لا يتوفر لها الوقود اللازم للتشغيل، وفقًا لعبد الكريم.
ويقترح الخبير الاقتصادي أربعة إجراءات للحد من الخسائر، تشمل توفير مخزون من قطع الأنابيب والصمامات ومعدات محطات تخفيض الضغط، وإبرام عقود مسبقة مع المقاولين لتسريع الإصلاحات، وتنويع طرق وصول الغاز، ووضع أولويات لتوزيع الكهرباء خلال الأزمات تضمن استمرار تشغيل محطات ضخ المياه والمستشفيات والمخابز.
ولفت إلى أن انقطاع الغاز في حادثة تشرين أدى إلى توقف ضخ مياه الشرب في درعا، ما يبرز أن تداعيات الأعطال لا تقتصر على الخسائر المالية، بل تمتد إلى الخدمات الأساسية.
وختم عبد الكريم حديثه بأن تقليص الخسائر لا يتطلب بالضرورة إنفاقًا ضخمًا، بقدر ما يحتاج إلى تحسين إدارة الأعطال وتسريع الاستجابة لها، داعيًا إلى نشر مؤشر شهري يوضح متوسط مدة التوقف، وكميات الغاز التي لم تصل إلى المحطات، وتكلفة تعويضها، بما يساعد على تقييم إجراءات الحماية وتحديد أولويات الإنفاق.
تضرر قطاع النفط والغاز لا يقتصر على نقص الوقود، بل يمتد ليشمل تكاليف الإنتاج والنقل، والأسعار، وفرص العمل، والاستقرار الاقتصادي، نظرًا إلى ارتباط الطاقة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بمعظم الأنشطة الإنتاجية والخدمية.
وقد يكون الأثر الاقتصادي للانقطاع المتكرر أكبر من أثر ارتفاع السعر وحده، لأنه يعطل الإنتاج ويجعل المنشآت غير قادرة على التخطيط لعملياتها.
الأكاديمي والباحث الاقتصادي ياسر الحسين، قال لعنب بلدي، إن هذه الآثار تنتقل إلى الأسعار عبر ما يُعرف اقتصاديًا بقناة انتقال تكاليف الإنتاج، موضحًا أنه عندما ترتفع تكلفة الوقود أو الكهرباء، ترتفع تكلفة تشغيل المصانع والآليات الزراعية ووسائل النقل والتبريد والتخزين، وقد تضطر المنشآت إلى رفع أسعار منتجاتها لتعويض جزء من هذه الزيادة.
وشدد الحسين على ضرورة التمييز بين ارتفاع تكلفة الإنتاج وارتفاع الأسعار النهائية، فليس كل ارتفاع في تكلفة الطاقة يؤدي تلقائيًا إلى زيادة مماثلة في الأسعار، بحسب الباحث الاقتصادي، مضيفًا أن حجم الأثر يتوقف على عدة عوامل، أهمها وزن الطاقة في التكلفة الإجمالية، فكلما كانت الطاقة تشكل نسبة أكبر من تكاليف المنشأة، كان تأثير ارتفاع أسعارها أشد.
كما تؤثر مدة الاضطراب في حجم الخسائر، فقد تتمكن المنشآت من التعامل مع انقطاع قصير بالاعتماد على مخزونها المتاح، لكن استمرار الانقطاع يؤدي إلى ارتفاع تكلفة البدائل ويزيد احتمالات انتقال هذه الزيادة إلى المستهلكين.
ويؤدي توفر البدائل دورًا مهمًا أيضًا، إذ قد يظل تأثير نقص الغاز أو الكهرباء محدودًا إذا أمكن تعويضهما بمصادر أخرى بتكلفة معقولة، بينما يتسع نطاق التأثير عندما تكون البدائل محدودة أو مرتفعة التكلفة.
وأضاف الحسين أن مستوى المنافسة في الأسواق يؤثر بدوره في كيفية توزيع الأعباء، فقد تتحمل المنشآت جزءًا من الزيادة في تكاليفها على حساب هوامش أرباحها، أو تنقلها إلى المستهلكين، تبعًا لقدرتها التنافسية ومرونة الطلب على منتجاتها.
ولفت إلى أن تكاليف الاستيراد وسعر الصرف يمثلان عاملين إضافيين، إذ قد يؤدي تراجع الإنتاج المحلي إلى زيادة الحاجة إلى استيراد الوقود أو السلع الوسيطة، ما يفاقم الضغوط الاقتصادية في حال ارتفاع تكاليف الاستيراد أو تراجع قيمة العملة المحلية.
الانقطاعات المتكررة في إمدادات الطاقة تخلق حالة من عدم اليقين الاقتصادي، وهي مشكلة قد تتجاوز أثر ارتفاع التكلفة المباشرة، وعندما تتكرر الانقطاعات، قد تتعرض المنشآت إلى العديد من الخسائر.
وأشار الحسين إلى أن أولى هذه الخسائر هي خسائر الإنتاج الناجمة عن توقف الآلات أو انخفاض ساعات التشغيل، وبالتالي تراجع الكميات المنتجة.
ويتمثل النوع الثاني في ارتفاع النفقات التشغيلية نتيجة اللجوء إلى المولدات وشراء الوقود من مصادر بديلة، إلى جانب تكاليف الصيانة والتشغيل الإضافية.
أما النوع الثالث فيتعلق بالخسائر التجارية التي قد تنجم عن التأخر في تسليم الطلبيات، وفقدان بعض العملاء، واضطراب سلاسل التوريد.
ويشمل النوع الرابع الآثار المترتبة على العمالة والاستثمار، إذ قد تضطر المنشآت إلى تقليص ساعات العمل أو عدد العاملين، أو تأجيل خطط التوسع والاستثمار بسبب ارتفاع المخاطر وعدم وضوح التكاليف المستقبلية.
ويرى الحسين أن التعامل مع اضطرابات إمدادات الطاقة يتطلب الجمع بين إجراءات عاجلة لاحتواء آثارها، وإصلاحات متوسطة وطويلة الأجل للحد من تعرض الاقتصاد السوري لتكرارها.
التعامل مع اضطرابات إمدادات الطاقة يتطلب الجمع بين إجراءات عاجلة لاحتواء آثارها، وإصلاحات متوسطة وطويلة الأجل للحد من تعرض الاقتصاد السوري لتكرارها.
ياسر الحسين
أكاديمي وباحث اقتصادي
على المدى القصير، يجب إعطاء الأولوية لصيانة خطوط النقل والمنشآت المتضررة، وتوفير قطع الغيار ومستلزمات الإصلاح، وتأمين مخزون تشغيلي مناسب من الوقود والغاز حيثما أمكن.
كما ينبغي وضع خطط واضحة لتوزيع الإمدادات المتاحة وفق معايير معلنة تراعي أهمية القطاعات الحيوية، مع إعطاء الأولوية للمنشآت التي يؤدي توقفها إلى خسائر واسعة في سلاسل الإنتاج أو الخدمات الأساسية، وفقًا للخبير الاقتصادي.
ومن الضروري أيضًا تحسين إدارة الطلب على الطاقة، وترشيد الاستهلاك، وتنسيق جداول التشغيل والصيانة، وتوفير معلومات موثوقة للمنشآت بشأن مواعيد الإمدادات المتوقعة، لأن وضوح المعلومات يساعد الشركات على تقليل الخسائر وتنظيم عملياتها.
أما على المديين المتوسط والطويل، فحدد الحسين مجموعة من الأولويات، في مقدمتها إعادة تأهيل خطوط النفط والغاز، ومحطات المعالجة والتخزين، وشبكات الكهرباء، استنادًا إلى تقييم فني يحدد نقاط الاختناق الأكثر تأثيرًا في الإنتاج.
ودعا أيضًا إلى تنويع مصادر استيراد الطاقة ومسارات نقلها، وتطوير ترتيبات تعاقدية تحد من مخاطر الاعتماد على مصدر واحد.
وفي السياق نفسه، شدد على أهمية تشجيع الاستثمار في الطاقة الشمسية ومصادر الطاقة المتجددة، ولا سيما لتأمين احتياجات المنشآت من الكهرباء وتقليل تعرضها للانقطاعات، إلى جانب تحديث تقنيات استخدام الطاقة في المصانع لخفض استهلاك الوقود لكل وحدة إنتاج.
كما أشار إلى ضرورة دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة من خلال أدوات تمويل موجهة لشراء معدات أكثر كفاءة، بدلًا من الاعتماد على دعم تشغيلي مفتوح قد يصعب استدامته ماليًا.
وأضاف أن تعزيز الشفافية في عقود توريد الطاقة وتكاليفها، وتحسين التنسيق بين الجهات المعنية بالنفط والغاز والكهرباء والنقل والصناعة، يمثلان جزءًا أساسيًا من معالجة المشكلة.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى