انهيار الصرف الصحي وأنقاض الحرب أبرز الأسباب

الليشمانيا تتضاعف بحماة.. 9263 إصابة خلال خمسة أشهر

تقديم علاج الليشمانيا للمصابين في أحد المراكز الصحية بريف حماة - 5 أيار 2026 (مديرية صحة حماة)

camera iconتقديم علاج الليشمانيا للمصابين في أحد المراكز الصحية بريف حماة - 5 أيار 2026 (مديرية صحة حماة)

tag icon ع ع ع

حماة – عدي الحاج حسين

لم يعد مرض الليشمانيا مقتصرًا على قرى الريف الشمالي، بل امتدت بؤره لتشمل أحياء مدينة حماة وبلدات ريفها الغربي والشرقي، حيث البنية التحتية المنهكة وشبكات الصرف الصحي المتهالكة في القرى، وأكوام الأنقاض في الأحياء المدمرة، ما تسبب بتحول مناطق واسعة من المحافظة إلى بؤر مثالية لتكاثر “ذبابة الرمل” ناقلة المرض الذي بات يطرق أبواب المنازل بلا استثناء.

ولم تعد “الطامة الكبرى”، كما يصفها الأهالي لعنب بلدي، مجرد برك مياه آسنة تغرق شوارع كفرنبودة أو كفرزيتا، بل تحولت إلى وباء صامت يهدد صحة الآلاف في عموم المحافظة، إذ تكشف الأرقام الرسمية عن تضاعف الإصابات مقارنة بالعام الماضي، فيما تقف فرق الاستجابة الطبية بمواجهة الأعداد المتزايدة مقابل إمكانياتها المحدودة.

“حبة السنة” تنتشر في المدينة والريف

أحمد فواز القاسم، أحد سكان بلدة كفرنبودة بريف حماة الشمالي، قال لعنب بلدي، إن مرض “حبة السنة” بات يشكل هاجسًا لدى الأهالي، بعد أن تحول من مجرد إصابات متفرقة إلى ظاهرة تهدد الجميع، خاصة مع اقتراب فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة.

وأضاف أحمد أن الخوف الأكبر اليوم هو من تحول هذه الإصابات إلى وباء حقيقي، في ظل ما تعانيه البلدة من واقع صعب في قطاع الصرف الصحي، حيث أصبحت الشبكات المتهالكة والانسدادات المتكررة مصدرًا يوميًا لتجمع المياه الراكدة والملوثة في الشوارع والأحياء السكنية، ما يخلق بيئة خصبة لتكاثر “ذبابة الرمل” والحشرات الناقلة للأمراض.

أما الناشط المدني محمد رشيد محمد، من أهالي كفرنبودة، فكشف عن الوجه الآخر للمعاناة، قائلًا لعنب بلدي، إن إصابات “حبة السنة” باتت أمرًا شائعًا بين الأهالي العائدين من مخيمات الشمال السوري، مرجعًا السبب المباشر لذلك إلى ما يصفه بـ”الطامة الكبرى” المتمثلة بانفجار شبكات الصرف الصحي المتهالكة في عدد من مناطق البلدة، وما خلفته من مياه ملوثة غمرت الطرق وجعلت بعضها مقطوعًا بالكامل.

وعبّر محمد عن مخاوف متزايدة لدى السكان من ازدياد انتشار الحشرات الناقلة للأمراض مع اشتداد حرارة الصيف، في ظل غياب أي حلول جذرية للأزمة.

ولا يختلف الحال كثيرًا في بلدة كفرزيتا والمناطق المحيطة بها، حيث تتراوح أعداد الإصابات الجديدة والمراجعات الأسبوعية بين 150 و200 حالة.

مدير مركز كفرزيتا الصحي، الدكتور عبد الله الدامس، وصف لعنب بلدي الواقع الصحي بأنه يتجه نحو مزيد من التفاقم، إذ لا يجد هو وفريقه الطبي أمامهم سوى خيار وحيد هو “التقسيم والتوزيع”، لمحاولة اللحاق بالعدد المتزايد.

أسباب تفاقم العدوى

أكد الدامس أن السبب الأساسي للأزمة هو الصرف الصحي، فالشبكة شبه متوقفة بالكامل، حيث تسببت الانسدادات في تشكل مستنقعات وصلت في بعض المناطق إلى أقبية المنازل بارتفاع يتراوح بين متر ومترين، لتصبح بذلك بؤرًا مثالية لتكاثر “ذبابة الرمل”، الناقلة الأولى للمرض.

لا تنحصر المشكلة في كفرزيتا أو كفرنبودة وحدهما، إذ أشار الدامس إلى أن قرى مثل اللطامنة وغيرها تعاني من أوضاع مماثلة، ولكن هناك سببًا مشتركًا آخر يضاعف من حجم الكارثة، يتمثل بالأنقاض والدمار الناتج عن الحرب، وهو ما خلق بيئة إضافية لانطلاق الحشرات الناقلة للأمراض.

وأضاف الدكتور أن فترة حضانة المرض قد تمتد بين شهر وشهرين، ما يعني أن ما يُرصد اليوم من إصابات هو نتاج بؤر عدوى تشكلت قبل أسابيع، لذلك تعتبر المعالجة الاستباقية أكثر أهمية من ردود الفعل المتأخرة.

وعن التحديات الإضافية التي تقف عائقًا أمام جهود المكافحة، أشار الدامس إلى أن عمليات الرش بالمبيدات التي تجري حاليًا غير كافية.

وقال إن ما يفعله “البخاخ” الذي يمر في الشوارع ويطلق الدخان لا يفيد كثيرًا، وإن الرش الحقيقي يحتاج إلى دخول فرق متخصصة إلى كل بيت، ورش جميع الأماكن، خصوصًا تلك التي تتراكم فيها الأنقاض والمستنقعات.

أما “الناموسيات” المشرّبة بالمبيدات التي جرى توزيعها، فأوضح الدامس أن فائدتها تظل محدودة، لأن “ذبابة الرمل” تبلغ ذروة نشاطها عند غياب الشمس وعند طلوع الفجر، وهما وقتان يكون فيهما الأهالي غير محميين بشكل كامل، مما يجعلها حلًا جزئيًا لا يمكن الاعتماد عليه وحده.

ارتفاع الإصابات إلى 9263

مدير المكتب الإعلامي لمديرية الصحة بحماة، محمد مصدر، قال لعنب بلدي، إن إصابات الليشمانيا في المحافظة منذ بداية العام الحالي حتى نهاية أيار الماضي بلغت 9263 إصابة، مقارنة مع نصف هذه الإصابات تقريبًا خلال نفس الفترة من عام 2025.

وأضاف مصدر أن أحياء مثل كازو والضاهرية والشهباء في مدينة حماة، إلى جانب بلدات كفرزيتا واللطامنة وسريحين في الريف، تعتبر بؤرًا قديمة للإصابات، إضافة إلى بؤر جديدة ظهرت بعد التحرير مثل أربعين وزكاة التابعة لمنطقة محردة، وقرى زيزون وحواش وعنكاوي التابعة لمنطقة السقيلبية.

وأشار إلى أن عودة الأهالي إلى منازلهم المدمرة في هذه المناطق بعد التحرير، إلى جانب المساحة الواسعة لانتشار الإصابات ودمار البنية التحتية، كلها عوامل تضافرت لترفع أعداد المصابين.

وأوضح أن سبب انتشار العدوى يعود إلى أنثى “ذبابة الرمل” التي توجد في شقوق الجدران وحظائر الماشية وأكوام النفايات، والأهم في الأنقاض والصرف الصحي المكشوف.

وأشار إلى أن الأنقاض وأكوام “الردميات” والصرف الصحي المكشوف وتربية الحيوانات هي الأسباب الرئيسة لزيادة الإصابات، مؤكدًا أن إعادة بناء المنازل وترحيل الأنقاض وتحسين الخدمات العامة كلها أمور تحتاج إلى وقت طويل.

وحول جهود الاستجابة، ذكر مصدر أنه يوجد فريق جوال لمعالجة المرض يستجيب للإبلاغات الواردة من المناطق الصحية والبلديات، ويقيّم الحاجة للزيارة الدورية أو تفعيل نقاط علاج ثابتة.

وأكد أنه تم وضع خطة لحملة رش تستهدف بالمرحلة الأولى مناطق انتشار الإصابة، ثم محاولة تغطية أكبر قدر ممكن من المحافظة، مع وجود فريق توعية وتثقيف صحي مدعوم من الصليب الأحمر.

وبخصوص توفر العلاج، كشف مصدر عن توفره وبشكل مجاني ضمن 37 مركزًا صحيًا في المحافظة تقدم خدمات العلاج، إضافة إلى المركز الرئيس في مدينة حماة، والفريق الجوال الذي يزور ما يقارب 35 قرية شهريًا.

ويتم تسجيل الإصابات الجديدة عبر برنامج إلكتروني لرصد الوباء ومتابعة تطوره مقارنة بالسنوات السابقة.

ورغم هذه الإجراءات، أكد مصدر أن أكبر مشكلة تواجههم هي “صبر المرضى على العلاج”، حيث تحتاج الحالات النموذجية إلى ثماني جلسات علاجية بفاصل أسبوعي، بينما يواجهون حالات “عنيدة ومزمنة وناكسة” تحتاج إلى أكثر من ذلك.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة