العيش خارج الزمن

tag icon ع ع ع

غزوان قرنفل

ليس ثمة مشكلة في الأفكار المحافظة بحد ذاتها، ولا في حق الإنسان في اختيار نمط حياته ولباسه طالما أنه لا يخرج عن المألوف، وإنما تبدأ الأزمة حين يتحول هذا الاختيار إلى حالة من الانفصال عن الواقع، وعجز عن التكيف مع متطلبات الزمن الذي نعيش فيه.

تروي إحدى السيدات السوريات المنقبات، أنها ذهبت إلى شركة حوالات مالية لقبض مبلغ مرسَل إليها، وقدمت بطاقتها الشخصية للموظفة المختصة، لكنها “فوجئت” بإصرار الموظفة على رؤية وجهها للتثبت من مطابقة الصورة الموجودة على الهوية مع صاحبة البطاقة، وبعد جدال واحتجاجات اضطرت السيدة في النهاية إلى كشف وجهها للموظفة كي تتسلم حوالتها.

بطبيعة الحال هذه الحادثة ليست استثناء، بل هي تتكرر وستتكرر يوميًا في المطارات والمصارف والدوائر الحكومية والمعابر الحدودية والمؤسسات الخاصة، طالما أن هناك من يصررن على إخفاء وجوههن والتواري خلف قطعة قماش أسود تحجب حق الآخرين في التثبت من هوية الشخص الذي يتعاملون معه، ففكرة التحقق من الهوية ليست نزوة بيروقراطية، وإنما ضرورة تفرضها اعتبارات الأمن، وحماية الحقوق، ومنع التزوير أو انتحال الصفة، لذلك يبدو غريبًا حقًا أن تتعامل بعض النساء مع هذا الطلب البديهي وكأنه اعتداء على معتقداتهن أو انتهاك لحرياتهن الشخصية.

لعل أكثر الأمثلة وضوحًا على ذلك الجدل المتكرر حول النقاب وما يرافقه من صدامات يومية بين بعض المنقبات وبين القوانين والإجراءات المدنية والقانونية التي تفرض الكشف عن الوجه للتحقق من الهوية الشخصية، هو ما نراه ونتابعه في معظم الدول الأوروبية، حيث مُنعت نساء مسلمات من دخول أماكن عامة، وتعرضن لغرامات مالية بسبب مخالفة قوانين تحظر تغطية الوجه في تلك الأماكن، لكن اللافت هو إصرار هؤلاء المنقبات على تجاهل وجودها أصلًا، وكأن القناعة الشخصية تعفي صاحبها من الالتزام بالقواعد التي تنظم الحياة العامة في المجتمع الذي اختار العيش فيه.

تكشف هذه الوقائع عن أزمة تفكير تتجاوز مسألة اللباس نفسها، فكثير من النساء اللواتي يتشبثن بالنقاب لم يطرحن وربما لا يجرؤن أن يطرحن على أنفسهن سؤالًا بسيطًا: هل كانت مسألة تغطية الوجه ممارسة دينية ثابتة ومفروضة عبر التاريخ الإسلامي كله؟ وهل كانت خديجة أو عائشة أو أي من زوجات الرسول (ص) أو حتى من سائر نساء الجيل الأول من المسلمين يعشن وفق هذا النموذج الذي يقدم اليوم باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الدين؟

الواقع أن النقاب بالشكل الذي نعرفه اليوم لم يكن النموذج السائد في مختلف المجتمعات الإسلامية عبر القرون، ولم يتحول في أي مرحلة تاريخية إلى زي موحد تلتزم به جميع النساء المسلمات، بل إن أنماط اللباس كانت تتغير باختلاف الأزمنة والأماكن والثقافات، وفي كل تلك الأزمنة والأمكنة ظل وجه المرأة مكشوفًا في كثير من البيئات الإسلامية إن لم نقل كلها دون أن يعتبر ذلك خروجًا عن الدين.

لقد أسهمت قراءات وآراء “فقهية” متشددة ومتأخرة للنصوص الدينية في ترسيخ فكرة أن تغطية الوجه واجب شرعي مطلق، ثم انتقلت هذه الفكرة عبر التبشير السلفي حتى أصبحت لدى بعض الفئات جزءًا من الهوية الشخصية والدينية، وبعض النساء تبنَّين هذا الخيار عن اقتناع، فيما فُرض على أخريات بفعل الضغوط الاجتماعية أو الأسرية لكن النتيجة واحدة، نشوء قناعة شبه راسخة بأن النقاب يمثل حقيقة دينية نهائية لا يجوز نقاشها أو مراجعتها.

غير أن المشكلة الأعمق لا تكمن في صحة هذا الرأي أو خطئه، ولا أريد هنا أن أدخل في جدال فقهي بهذا الشأن، إنما المشكلة في عجز تلك الفئات عن التعامل مع الواقع المتغير، فالحياة الحديثة تقوم على منظومات إدارية وقانونية وأمنية تحتاج إلى التحقق من هوية الأشخاص بشكل مباشر، والوجه هو العنوان البشري لكل ذلك، ومن غير المنطقي أن يطالب الفرد المجتمع كله بإعادة تصميم مؤسساته وقوانينه لكي تتوافق مع تفسير فقهي خاص يتبناه هو أو جماعته.

إن التكيف مع العصر لا يعني التخلي عن الدين، خصوصًا أن هذا النمط من الحجاب ليس جزءًا من بنية الدين، بل هو مجرد رأي فقهي بشري غير ملزم لا أكثر، كما أن احترام القوانين لا يعني التفريط بالمعتقدات، فالملايين من النساء المسلمات حول العالم يجمعن بين التزامهن الديني الكامل وبين القدرة على الانخراط في الحياة العامة واحترام الأنظمة السائدة دون أن يشعرن بأي تناقض بين الأمرين.

العيش خارج الزمن يعني تمامًا الاعتقاد بأن العالم يجب أن يتوقف عند لحظة تاريخية معيّنة، وأن كل ما استجد بعد ذلك مجرد انحراف ينبغي مقاومته، وهو مؤشر على العجز عن إدراك أن المجتمعات تتغير، وأن البشر يطورون باستمرار أدوات جديدة لتنظيم حياتهم وحماية أمنهم وحقوقهم، لذلك فإن قضية النقاب ليست مجرد نقاش حول قطعة قماش تغطي الوجه، بل هي في جوهرها نقاش حول العلاقة بين الإنسان والزمن وبين المعتقد والواقع، وبين الحق في الاختيار والواجب في التكيف مع شروط العيش المشترك، وحين يصبح التمسك بشكل معيّن من اللباس سببًا دائمًا للصدام مع المجتمع والقانون ومؤسسات الدولة، فإن السؤال الحقيقي لا يعود متعلقًا باللباس نفسه، بل بمدى استعداد صاحبه للعيش في عصره وزمنه بدلًا من العيش خارج الزمن بكلّيته.

مع الأسف، كل ما سبق يمكن إعماله على من يضع خمارًا من الرجال فوق عقله يحجب عنه فرصة التواصل مع العصر والعيش داخل الزمن.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة