تعا تفرج
خداع الجماهير
خطيب بدلة
صار عندي حلم، وأنا في هذا العمر، أن تزول فكرة الجماهير، وألا نرى في ساحاتنا العامة، تجمعات تصيح، وتهتف، وتعيش، وتطالب.. وألا نسمع خطابات حكام دكتاتوريين، مستبدين، إرهابيين، يزعمون أنهم يفنون أعمارهم، في سبيل إسعاد الجماهير العظيمة، فهذا الحاكم يعرف، وكل المراقبين يعرفون، وقسم كبير من الجماهير نفسها يعرف، أن الحاكم كذاب، أفاك، نصاب، يتاجر بمآسيهم، ويسرقهم، ويركب على أكتافهم.
يقول عالم الاجتماع الفرنسي غوستاف لوبون، في كتابه الذي يحمل عنوان “سيكولوجية الجماهير”: مَن يستطيع زرع الوهم في الجماهير يصبح سيدًا لهم، ومن يحاول إزالة الأوهام عن أعينهم يصبح ضحية لهم، وأما الشاعر المصري الكبير بيرم التونسي، فيتحدث عن سهولة خداع الجماهير، من قبل التجار والنصابين. يقول: من المستحيل أنت تخدع أي طفل صغيرْ، وتلف عقله وتعطيه القليل بكتيرْ، لكن بأهون طريقة تخدع الجماهيرْ، لو كنت أغبى غبي تجري وراك وتسير.. ومع أن كلام بيرم التونسي منطقي، من حيث الظاهر، إلا أنه يطرح سؤالًا مهمًا، عن طبيعة الأفكار التي تستطيع أن تخدع بها الجماهير. أنا، أخوكم، أرى أنه في مقدور أي شخص أن يخدع الجماهير، إذا أتاها من أحد مدخلين، الدين، والقومية.. هذان المدخلان يفعلان فعلهما في عامة الناس، لأنهما يقتربان من الغريزة، ويلائمان العقول الكسولة، التي تتلقى الأفكار “على الجاهز”، وترفض الأفكار التحررية، الممتازة، فهي تضطرهم لتشغيل عقولهم التي اعتادوا أن يتركوها خارج الخدمة.
نصل، هنا، إلى نقطة الحقيقة، وهي أن مَن يتقدم لمخاطبة الجماهير، عليه مسؤولية أخلاقية كبيرة، من خلال هذه المسؤولية يظهر الفرق بين الإنسان الجيد، الصادق، المحترم، الذي يريد لشعبه الخير، والخلاص، والتقدم، وبين والإنسان الخبيث، الانتهازي، الذي يضحي بالجماهير نفسها، في سبيل مصالحه الشخصية، وحتى لو رآها تسلك الطريق الخاطئ، يطبطب عليها، ويوحي لها أنها على صواب، وما إن تطمئن هذه الجماهير له، حتى يبدأ باستغلالها، وهذا هو، بالضبط، خداع الجماهير.
أكبر خديعة، حصلت في سنوات الحرب الأهلية السورية، هي الطائفية، فلو تأملت قليلًا في حقبة حافظ الأسد، ووريثه، لوجدت أنه كان شديد الحرص على إرضاء مختلف الطوائف السورية، وبالأخص الطائفة السنية، من خلال تقديم فكرة الولاء لرأس النظام على فكرة الطائفة، فكانت المناهج الدينية المعتمدة في المدارس، والإذاعة، والتلفزيون، والاحتفالات الدينية، مثل رأس السنة الهجرية، ورمضان، والمولد النبوي، والنصف من شعبان، تقدم على نهج أهل السنة، والرئيس كان يحضر هذه الاحتفالات، ويصلي وراء الإمام السني، وخلال الـ 54 سنة، لم يعرف السوريون، من خلال الإعلام، شيئًا عن طبيعة أحد المذاهب الدينية الأخرى، لا العلوي ولا غيره، وكانت مناصب كبيرة في الدولة، وأهمها رئاسة الوزراء، تخصص لأهل السنة، وثمة ضباط سنة كبار في الجيش والمخابرات، من السنة.
ومع ذلك استطاعت السردية الطائفية أن تخدع قسمًا كبيرًا من الجماهير، وهذا الخداع ضار بالجماهير (السنية) نفسها، لأنه منعها من قراءة المشهد السوري بشكل صحيح، وجعلها تخوض معارك غير وطنية، أدت إلى تشكيل أحقاد، ومصائب، ستدفع ثمنها، الآن، وفي المستقبل.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :





