
مجموعة من قطع الموزاييك الدمشقية من صنع الحرفي محمد هشام الحلبي- 23 أيار 2026 (عنب بلدي)

مجموعة من قطع الموزاييك الدمشقية من صنع الحرفي محمد هشام الحلبي- 23 أيار 2026 (عنب بلدي)
عنب بلدي – غنى جبر
يعد “الموزاييك” الدمشقي واحدًا من أبرز الفنون الحرفية التي ارتبطت باسم دمشق لأكثر من قرن، ورغم التحولات الاقتصادية والتحديات التي شهدتها سوريا خلال السنوات الماضية، لا تزال هذه الحرفة تحافظ على مكانتها بفضل حرفيين توارثوا صناعتها جيلًا بعد جيل، وتمسكوا بإنتاجها وفق طابعها اليدوي.
الحرفي محمد هشام الحلبي استعرض، في حديث إلى عنب بلدي، تاريخ “الموزاييك” الدمشقي وجذور ارتباطه بهذه المهنة، متناولًا مراحل صناعة القطع الفنية، والمواد الطبيعية التي تميزها، إلى جانب واقع الحرفة اليوم والتحديات التي تواجه استمرارها، في ظل تراجع عدد الورشات وصعوبات التسويق والتصدير، مقابل إصرار الحرفيين على حماية أحد أهم رموز التراث الدمشقي.
استعاد الحلبي بداياته مع مهنة “الصدف” و”الموزاييك” الدمشقي، متحدثًا عن جذور شغفه الذي ورثه عن والده، حيث نشأ في بيئة حرفية كان مشغل العائلة فيها يقع في منطقة التكية السليمانية.
الحرفي الحلبي الذي غادر مشغله في التكية السليمانية، وانتقل للعمل في السوق الحالي، في منطقة مدحت باشا (مئذنة الشحم)، يرى أن هذه الحرفة وعلى الرغم من كل التحديات تشهد تقدمًا وازدهارًا مستمرًا ملحوظًا.
وبشغف، وصف “الموزاييك” بالفسيفساء الدمشقي الخشبي، إذ إن الألوان الموجودة على القطع الفنية ليست صناعية، بل ألوان طبيعية مستمدة من أشجار غوطة دمشق، مثل خشب الليمون والزيتون والكينا والورد والجوز.
هذه المشغولات، وفق الحلبي، تعكس صورة متناغمة لألوان الخشب الطبيعي، التي يتم تطعيمها لاحقًا بالصدف البحري الأصلي، لإضفاء الرونق الخاص عليها.
“الموزاييك الخشبي الدمشقي” فن فريد من نوعه، ويقتصر على مدينة دمشق ويحمل اسمها، بحسب الحلبي.
وحول تاريخ نشأة هذه الحرفة، بيّن أن أول من اخترعها هو نجار دمشقي مجتهد وموهوب يُدعى جرجي البيطار في عام 1880.
ونتيجة لهذا الإبداع المتميز، نال البيطار وسام شرف رفيع المستوى، كان يعد الأعلى في ذلك الوقت، من الوالي العثماني تقديرًا لابتكاره وتأسيسه لهذه الحرفة التي قام بتعليمها للأجيال المتعاقبة حتى وصلت إلينا اليوم.
وفيما يتعلق بالمواد الخام المستخدمة في الإنتاج، بيّن الحلبي أن الخشب هو المكون الأساسي بجميع أنواعه، مشيرًا إلى أن الهيكل أو البدن الرئيس للقطع يعتمد بشكل أساسي على خشب الزان أو خشب الجوز.
وبالنسبة للألوان المتنوعة (الرمادي والأصفر والأحمر)، كشف الحلبي بأنها كلها تكتسب قيمتها من ألوان الأخشاب الطبيعية دون أي تدخل خارجي، قبل أن تُطعم بالصدف البحري.
بالحديث عن الصعوبات التي تواجه الحرفي في آلية العمل قال الحلبي، إن الحرفي المتمكن، أو ما يُعرف بـ”المعلم”، لا يرى في مراحل العمل صعوبة بالمعنى التقليدي للكلمة، فمع الخبرة الطويلة تصبح التحديات جزءًا من تفاصيل المهنة اليومية.
إلا أن هذه الحرفة تتطلب قدرًا عاليًا من التركيز والانتباه إلى أدق التفاصيل، إلى جانب الصبر والدقة في التنفيذ.
وأكد الحلبي أن العامل الأهم في نجاح الحرفي واستمراره هو حبه لمهنته وشغفه بها، فالشغف هو ما يدفعه إلى الإبداع والإتقان مهما بلغت متطلبات العمل وتعقيداته.
استعرض الحرفي محمد هشام الحلبي مراحل إنتاج قطع “الموزاييك”، مشيرًا إلى أنها عملية يدوية معقدة، تبدأ أولى خطواتها بتأمين المواد الأولية من خشب الجوز أو الزان المتوفرين محليًا في غوطتي دمشق الشرقية والغربية.
وتمر الصناعة بمراحل هي:
وأوضح الحرفي أن العمل على هذه القطع يتطلب وقتًا طويلًا، حيث تحتاج 100 قطعة “من الشغل المتقن والمتميز” إلى فترة تتراوح بين ستة أشهر وسنة كاملة لإنجازها، بل إن بعض القطع الفريدة قد يستغرق العمل عليها بمفردها عامًا كاملًا.
ورغم دخول التكنولوجيا الحديثة في صناعة “الموزاييك”، أكد الحرفي أن هذه الحرفة لا تزال محافظة على طابعها اليدوي الأصيل.
وأشار إلى أن التحديث اقتصر على استخدام “الشلّة” أو المنشار الكهربائي، الذي حلّ محل الوسائل القديمة، ورغم هذا التطور المحدود، بقيت بقية مراحل الإنتاج كما كانت منذ عقود طويلة، تُنجز يدويًا بالكامل.
وبذلك تظل صناعة “الموزاييك” واحدة من الحرف النادرة التي قاومت التحول الكامل إلى الآلات، محافظة على خصوصيتها كفن يدوي يعتمد في جوهره على خبرة الحرفي وصبره وإبداعه.
في مقارنة بين واقع الحرفة قبل الحرب وبعدها، أشار الحلبي إلى تراجع حاد في عدد الورشات، إذ كانت دمشق وريفها تضمان نحو 500 ورشة قبل الحرب، بينما لا يتجاوز عدد الورشات الفاعلة اليوم 100 ورشة.
وقال الحلبي، إن “الموزاييك” الدمشقي يعتمد بشكل أساسي على السياح الأجانب والقدرة التصديرية، ومع غياب السياحة وتوجيه المواطن السوري لأولوياته نحو تأمين المعيشة اليومية، تراجع الطلب المحلي بشكل كبير، واصفًا السوق الحالي بأنه “شبه ميت”.
وأضاف أن التصدير يواجه عقبة تتمثل في الارتفاع الكبير لأسعار الشحن، مما جعل الزبون الخارجي يتردد كثيرًا قبل الشراء، مقارنة بمعدلات الطلب المرتفعة التي كانت سائدة قبل 15 عامًا، على الرغم من أن هذه الحرفة مطلوبة في جميع دول العالم، نظرًا إلى خصوصية “الموزاييك” الدمشقي وانفراده عالميًا، بحسب ما ذكر الحرفي.
واختتم حديثه مؤكدًا أن الاستمرار في هذه المهنة في ظل الظروف الحالية ينبع أولًا وأخيرًا من حب الحرفيين لمهنتهم، وشغفهم بالحفاظ على هذا التراث الإنساني.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى