
أحد خزانات النفط في مصفاة بانياس - 2 نيسان 2026 (الشركة السورية للبترول)

أحد خزانات النفط في مصفاة بانياس - 2 نيسان 2026 (الشركة السورية للبترول)
شهدت أسواق النفط العالمية خلال الأيام الأخيرة تراجعًا ملحوظًا في الأسعار، وسط الإعلان عن مذكرة لوقف الحرب بين واشنطن وإيران، والتي أنهت صراعًا تسبب باضطرابات كبيرة في إمدادات الطاقة العالمية.
وانعكس ذلك سريعًا على الأسواق، حيث انخفض سعر خام برنت بما يصل إلى 3.1% إلى دون 78 دولارًا للبرميل، مسجلًا أدنى مستوى له منذ بداية آذار، كما تراجعت أسعار البنزين في بعض الأسواق العالمية إلى مستويات أقل من السابق.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية، انخفض سعر البنزين لأقل من 4 دولارات للغالون لأول مرة منذ آذار الماضي.
وجاء هذا الانخفاض مع عودة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، حسبما ورد في بنود الاتفاق، والذي يعتبر أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل النفط عالميًا، ما خفف المخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.
لكن هذا التراجع العالمي لم ينعكس على أسعار المحروقات في سوريا، حيث بقيت الأسعار المحلية عند مستوياتها، رغم أن جزءًا من مبررات ارتفاعها سابقًا ارتبط بتغيرات السوق العالمية.
هذا الواقع يفتح باب التساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الأسعار المحلية والعالمية، وما إذا كانت أسعار المحروقات في سوريا ما زالت تخضع لعوامل السوق، أم أصبحت مرتبطة بعوامل اقتصادية ومالية أخرى.
رفعت الشركة السورية للبترول في 7 من أيار الماضي، أسعار المحروقات في سوريا بنسب تتراوح بين 17% و30%.
وارتفع حينها سعر ليتر المازوت أول إلى 0.88 دولارًا، بدلًا من 0.75 (نحو 17.3%).
كما ارتفع سعر ليتر بنزين 90 إلى 1.10 دولار، بدلًا من 0.85 (نحو 29.4%)، وليتر بنزين 95 إلى 1.15 دولار أمريكي، بدلًا من 0.91 (نحو 26.4%).
وارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي إلى 12.5 دولارًا، بدلًا من 10.5 دولار (نحو 19%)، فيما ارتفع سعر أسطوانة الغاز الصناعي إلى 20 دولارًا، بدلًا من 16.8 (نحو 19%).
واليوم الخميس 18 من حزيران، يبلغ سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأمريكي 14,230 ليرة سورية، للشراء و14,300 ليرة للمبيع.
في الوقت الذي يفترض فيه اقتصاديًا أن يؤدي انخفاض الأسعار العالمية إلى انخفاض تكلفة الاستيراد في سوريا وبالتالي تراجع الأسعار للمستهلك، فإن الأسواق السورية لا تعمل وفق هذه الآلية بشكل كامل.
وهنا، يرى الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي في جامعة “حماة”، الدكتور عبد الرحمن محمد، أن تحليل سلوك أسعار المحروقات في السوق السورية لا يمكن عزله عن البنية الاقتصادية المشوهة التي خلّفتها أكثر من عقد من الحرب والعقوبات والانهيار المؤسسي.
فالسعر في أي اقتصاد سليم هو انعكاس لتوازنات العرض والطلب وتكاليف الإنتاج، أما في الاقتصاد السوري الراهن، فقد أصبح السعر انعكاسًا لتوازنات أخرى: توازنات العجز المالي للدولة، وهيمنة اقتصاد الحرب، وتعقيدات سلاسل التوريد الخاضعة للعقوبات.
لذا، فإن عدم استجابة أسعار المحروقات للانخفاض العالمي، رغم أن جزءًا من رفعها السابق قد رُبط بالتسعير العالمي، ليس مفارقة، بل هو نتيجة حتمية لطبيعة الأزمة السورية المتعددة الطبقات.
اقتصاديًا، بحسب الدكتور عبد الرحمن محمد، الظاهرة تُقرأ من منظور فك الارتباط بين آلية التسعير المحلي والعوامل الخارجية، لصالح هيمنة العوامل الداخلية الطارئة، وهذا لا ينفي المنطق الاقتصادي، بل يؤكد أن المنطق السائد حاليًا هو منطق اقتصاد “الندرة المُدار” وليس اقتصاد السوق الحر.
وشرح ذلك بأن القراءة تستند إلى المحاور التالية:
وأدى ارتفاع أسعار النفط عالميًا في فترات سابقة إلى استخدام عامل السوق الدولية كمبرر لرفع أسعار المحروقات محليًا، لكن استمرار الأسعار المرتفعة رغم انخفاض النفط عالميًا يشير إلى وجود عوامل أخرى أكثر تأثيرًا.
ويشرح الدكتور عبد الرحمن محمد، أن ربط رفع الأسعار بالتغيرات العالمية كان مسوغًا لتبرير سياسة رفع الدعم، ولكن عدم خفضها يُظهر بشكل جلي الأسباب الهيكلية الحقيقية، ومنها:
وبالتالي تكلفة الاستيراد تُسدّد بالدولار المشترى من السوق الموازية، مما يجعل عامل سعر الصرف هو الأكثر تأثيرًا من السعر العالمي للنفط.
وقد ذكرت الشركة السورية للمحروقات أن تعديل أسعار المشتقات النفطية يأتي في ضوء الارتفاعات العالمية المتواصلة في أسعار النفط وتكاليف التوريد والشحن إلى جانب التداعيات المرتبطة بالظروف الإقليمية الراهنة وما فرضته من ضغوط إضافية على قطاع الطاقة
مع استمرار الفجوة بين حركة الأسعار العالمية والمحلية، يبرز النقاش حول ضرورة إصلاح طريقة التسعير وليس فقط تعديل الأسعار.
وهنا، يقترح الخبير الاقتصادي عبد الرحمن محمد أن الحلول في الوضع السوري لا يمكن أن تكون نمطية، بل يجب أن تكون متدرجة وواقعية، وتركز على إدارة الأزمة قبل حلها النهائي المرتبط بتسوية سياسية شاملة ورفع العقوبات، منها:
1. ربط التسعير بآلية شفافة ومرنة لسلة تكاليف: بدلًا من التسعير الإداري البحت، يجب اعتماد معادلة سعرية شفافة ومعلنة ترتبط بـ:
ويشرح أن هذا لا يعني بالضرورة خفضًا فوريًا، لكنه يخلق “عقدًا اجتماعيًا” جديدًا ويهيئ الرأي العام لتقبّل أن أي انخفاض عالمي ستكون له انعكاسات إيجابية ولو جزئية، والعكس صحيح، مما ينهي حالة الشك والغضب.
2. استثمار أي وفورات في دعم شرائح إنتاجية محددة: إذا تحقق أي انخفاض في التكلفة، يجب ألا يُعمم الخفض على الجميع، بل يُعاد توجيه الدعم للمستهلكين عبر دعم مباشر لقطاعات إنتاجية حيوية كالزراعة والنقل العام، مما يُنشّط الاقتصاد الكلي ويُقلل من تكاليف المعيشة بشكل غير مباشر ومستدام أكثر من خفض السعر عند المحطة.
3. ترشيد الاستهلاك والطلب كحل موازٍ: الحل لا يقتصر على العرض والسعر، بل يشمل الطلب، والاستثمار في وسائل النقل العام الكهربائية (باصات، ترام)، ودعم تحويل المركبات للعمل على الغاز الطبيعي المضغوط (CNG) المتوفر محليًا، والتوسع في برامج العزل الحراري للمباني، كلها حلول تقلل من فاتورة الاستيراد الكلية وتُضعف الضغط على الطلب، مما يسمح بهوامش سعرية أفضل.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى