بدوافع مختلفة.. منقطعون يعودون إلى قاعة الامتحانات في سوريا

طلاب في الحسكة يتقدمون لامتحانات الشهادة الثانوية - 6 حزيران 2026 (وزارة التربية/فيسبوك)

camera iconطلاب في الحسكة يتقدمون لامتحانات الشهادة الثانوية - 6 حزيران 2026 (وزارة التربية/فيسبوك)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – موفق الخوجة

يجلس إبراهيم على مقاعد الدراسة مجددًا، بعد انقطاع لأكثر من 15 عامًا، بسبب أحداث الثورة السورية، والتحاقه بصفوف المعارضة، ليقدم امتحانات الشهادة الأساسية (التاسع)، مع طلاب يصغرونه بعقد ونصف، أملًا بترقية في وظيفته، التي باتت تتطلب الشهادة إلى جانب خبرته الطويلة.

ويتوقف عمل إبراهيم، المقاتل السابق، والمدرب العسكري في وزارة الدفاع السورية حاليًا، على الشهادة، إذ إنه لن يترك مكانه بسبب إهماله دراسة سنة واحدة لأخذ شهادة “التاسع”، وهو ما بات الآن المطلب الأدنى للاستمرار في وظيفته.

ظروف وأهداف متعددة

إبراهيم، هو حالة من بين مئات الحالات التي عادت إلى الدراسة بعد الانقطاع، إما بسبب الحرب وإما بسبب ظروف اقتصادية معيشية، ولا سيما الذين استقروا فيما كان يُعرف بـ”المناطق المحررة” أو في بلاد المهجر.

هؤلاء المئات، تختلف الظروف والمبررات فيما بينهم للعودة إلى الدراسة بعد سنوات طويلة من تركها، وهم كانوا يدركون الصعوبات والتحديات التي يواجهونها.

أحمد حوري (29 عامًا)، الذي توقف عن الدراسة بسبب انطلاق الثورة والحرب، وما رافقها من تهجير وصعوبات معيشية وأمنية، عاد اليوم لإكمال تعليمه بعد عودته من تركيا عقب سقوط النظام السوري السابق.

ويعتبر أحمد، الذي يعمل في مهنة الخياطة، أن العلم هو الطريق الأفضل لبناء مستقبله وخدمة بلده.

الاختصاصية الاجتماعية رنا بدوي، أوضحت أن دوافع المنقطعين عن الدراسة تختلف من شخص لآخر، فمنهم من كان دافعه دينيًا، وهدفه ترك علم ينتفع به بعد موته (وفق العقيدة الإسلامية) فأحاط نفسه بأشخاص “أصحاب رسالة في هذه الحياة”، وقرأ عن شخصيات خلّد التاريخ أسماءهم من خلال ما قدموه للبشرية فذهبت أجسادهم وبقيت أعمالهم.

وهناك من كان دافعه اجتماعيًا، وهدفه أن تكون له مكانة مرموقة بين الناس، فأحاط نفسه بأشخاص على مستوى عالٍ من العلم والثقافة، استطاعوا أن يكونوا شخصيات بارزة في المجتمع، لها مكانتها وتقديرها بين الناس.

وهناك من كان دافعه اقتصاديًا، وهدفه تحسين المستوى المعيشي، ولا سيما في الظروف الاقتصادية التي مرت وتمر بها البلاد، والتقى أو سمع أو شاهد أشخاصًا، ربما أصغر منه سنًا، ولكنهم أعلى علمًا ولديهم مشاريعهم الخاصة.

 

أي عمل نريد القيام به، لا بد له من مصفوفة ثلاثية الأركان ليكون عملًا متكاملًا: دافع وباعث وهدف.

فالدافع يكون داخليًا من ذات الشخص، أما الباعث فيكون خارجيًا، وهو مرتبط بالبيئة المحيطة بالشخص، وأما الهدف فهو ما أريد الوصول إليه، وهو مرتبط بالدافع والباعث، فهي حلقة مترابطة، وثباتها نسبي وليس مطلقًا، فإذا تغير واحد منها تغيرت معه بقية المصفوفة.

رنا بدوي

اختصاصية اجتماعية

العمر ليس حاجزًا

قدّم عبد الحميد على شهادة التاسع لأول مرة عام 1997، ولم يستطع الحصول عليها، وبالرغم من أن مجموعه العام كان يؤهله للنجاح، فإن مادة اللغة العربية كانت سببًا في رسوبه.

ولم يستطع عبد الحميد إتمام دراسته حينها، بسبب الظروف المعيشية، لكنه يعود الآن للتقديم على شهادة التاسع مجددًا بـ”روح معنوية عالية” و”يقين بالله” بأنه سينجح فيها هذه المرة.

لا ينكر عبد الحميد أنه يواجه صعوبات وتحديات كثيرة في عودته إلى الدراسة، بعد انقطاع عنها تجاوز 28 عامًا، إلا أنه “متيقن” بالحصول على الشهادة الأساسية، والتقديم على شهادة الثانوية العامة (البكالوريا) في العام المقبل.

لكن العمر لم يكن حاجزًا أمامه، إذ إنه متمسك بـ”الإرادة” التي تساعده على تحقيق أمنيته، ليكمل في طريق الدراسة.

عبد الحميد، الذي بلغ 45 عامًا، تفاجأ من وجود طلاب يكبرونه في السن، إذ إن بعض الطلاب يبلغون من العمر أكثر من 50 عامًا، معتبرًا أنهم تحدوا كل الظروف، بما فيها حاجز العمر، لتطوير وضعهم، وهو ما يدعو إلى “الفخر”.

من جانبه، يرى إبراهيم أن العمر كان حاجزًا كبيرًا أمام الدراسة، إلا أن الإرادة تغلبت على هذا الحاجز، فحين يجلس شخص من مواليد عام 1997 إلى جانب طالب آخر من مواليد عام 2010، بفارق 16 عامًا بينهما، يبرز تساؤل حول نظرة كل منهما إلى الآخر.

الاختصاصية الاجتماعية رنا بدوي ترى أن القضية لا تقف عند سن محددة، إذ تعتقد أن مقولة “العلم في الصغر كالنقش على الحجر، والعلم في الكبر كالنقش على الماء” هي خاطئة، لأن الفائدة من العلم تكون بقدر وضوح الهدف.

الاختصاصية الاجتماعية التي قابلتها عنب بلدي، قالت إنها انقطعت أيضًا عن الدراسة لمدة 27 عامًا، لتعود بعد سن الـ40.

وأضافت أن قصتها تشبه القصة المتداولة عن النسر الأمريكي، الذي عندما يصل إلى الـ40 من عمره، يكون أمامه خياران، إما أن يستسلم لضعفه فتخور قواه وتقل قدرته على الصيد إلى أن يموت جوعًا، وإما أن ينهض من جديد فينعزل في قمة جبل، ليكسر منقاره ويخلع مخالبه ويبقى بضعة أيام يتألم، لينمو له منقار ومخالب جديدة أقوى من قبل، ويعود ليحلّق في السماء وينطلق برحلة حياة جديدة.

تحدي الدراسة مع العمل

أبرز التحديات التي واجهت إبراهيم خلال تقديمه الامتحانات والتحضير لها، هي الالتزام بالعمل والدراسة معًا، حيث يلاقي صعوبة بالتوفيق بينهما.

وقال إبراهيم، إنه حين التسجيل في معاهد رفع المستوى، لن تقبل إدارة المعهد أن يفرض الطالب عليهم توقيت الدوام بحسب طبيعة عمله، كما أن ظروف العمل تتطلب إعطاءه الأولوية.

كما أن أبرز التحديات التي كانت أمام أحمد حوري، الذي توقف عن الدراسة بسبب انطلاق الثورة والحرب، هي التوفيق بين الدراسة والعمل، وتعويض الفاقد التعليمي بعد سنوات الانقطاع.

ولم يتلقّ الطلاب، الذين قابلتهم عنب بلدي، أي دعم حكومي أو منظماتي لاستمرارهم في العمل، باستثناء الدعم المعنوي الذي تلقاه إبراهيم من محيطه، لحضه على الاستمرار والاجتهاد.

أما أحمد فيعتمد بشكل أساسي على جهده الشخصي، وإصراره على متابعة التعليم، ولم تكن الموازنة بين عمله ودراسته سهلة، لكنه حاول تنظيم وقته قدر الإمكان، إذ يخصص ساعات محددة للدراسة بعد العمل أو في أيام العطلة، ويرتب أولوياته.

ويستعين عبد الحميد بالدروس المنشورة على الإنترنت، والدورات التعليمية، والتي يتابعها في أثناء عمله، إذ إنه استعاض بها عن تصفح مواقع التواصل الاجتماعي.

أما إبراهيم فيدرس في أوقات الفراغ، ويحاول حضور الدروس في المعاهد حتى في أوقات العمل.

معوقات نفسية واجتماعية واقتصادية

حددت الاختصاصية الاجتماعية رنا بدوي ثلاثة معوقات أمام عودة المنقطعين عن الدراسة، هي نفسية واجتماعية واقتصادية.

تتمثل أبرز المعوقات النفسية بقناعة الشخص نفسه بأنه كبر سنه ولم يعد قادرًا على الحفظ والتذكر.

وأوضحت أن هذا الكلام، بالرغم من صحته نظريًا، فإن علم الأعصاب أثبت عكس ذلك، فعند تقدم الشخص بالعمر تبدأ خلايا الدماغ بالموت وترك فراغات مكان الخلية الميتة، ولكن إذا تعلم أي شيء جديد وحفظه وراجعه، عندها يقوم الدماغ بما يسمى بـ”عملية الترقيع”، وهي ظهور استطالات عصبية تقوم مقام الخلية التي تركت فراغًا، لتربط بين الخلايا وتعيد قدرة الدماغ على التعلم والحفظ والاسترجاع.

أما المعوقات الاجتماعية، فتكون إما من الأشخاص المحبِطين، أو من المسؤوليات الملقاة على عاتق المنقطع عن الدراسة.

أما المعوق الاقتصادي، فعندما تثقل المعيشة كاهل الشخص ويكون بين دفع أقساط جامعته وبين تأمين قوت أولاده فعندها سيختار قوت أولاده عن نفسه.

ينوون الاستمرار

لا يبدو أن تحصيل الشهادة الأساسية هي الأمنية الوحيدة للطلاب الذين قابلتهم عنب بلدي، إذ إن الحلم لا يتوقف هنا، بل إن شهادة “التاسع” هي خطوة أولى نحو طريق أطول، وغاية أوسع، مع اختلاف الغايات والأحلام والأهداف.

يأمل إبراهيم في الوصول إلى تحصيل الشهادات العليا، إذ لن يكتفي بشهادة “التاسع”، معتبرًا أنها مرحلة تأسيسية فقط، حيث يرى أن الشهادة الثانوية ستصبح من أدنى المتطلبات في مؤسسات الدولة، كما أن الاعتماد الأكبر سيكون على الشهادات الجامعية فما فوق.

يعتبر إبراهيم نفسه في مرحلة استراحة من العمل العسكري، وينتقل إلى مرحلة الإعداد من خلال العملية التعليمية والثقافية، وهو ما يراه أمرًا ضروريًا جدًا.

كما يسعى أحمد لإكمال دراسته الجامعية وتطوير نفسه علميًا ومهنيًا.

وبلغ عدد المتقدمين لامتحانات شهادة التعليم الأساسي خلال العام الحالي 450,884 طالبًا وطالبة، إضافة إلى 13,141 طالبًا وطالبة في شهادة الإعدادية الشرعية، موزعين على 2053 مركزًا امتحانيًا، بحسب ما نشرته وزارة التربية السورية.

في حين بلغ عدد المتقدمين لامتحانات الشهادة الثانوية بمختلف فروعها 596,368 طالبًا وطالبة، موزعين على 1570 مركزًا امتحانيًا في المحافظات السورية كافة.

وتظهر الأرقام التي نشرتها وزارة التربية ازديادًا في عدد الطلاب المتقدمين للشهادتين (الأساسية والثانية) مقارنة بعام 2025.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة