
مزارعون يعملون على جني المحاصيل في أحد حقول قرية قانا في ريف الحسكة الجنوبي - 8 أيار 2026 (عنب بلدي/ حسين الشعبو)

مزارعون يعملون على جني المحاصيل في أحد حقول قرية قانا في ريف الحسكة الجنوبي - 8 أيار 2026 (عنب بلدي/ حسين الشعبو)
الحسكة – حسين الشعبو
تحولت قرية قانا في ريف الحسكة الجنوبي، خلال السنوات الأخيرة، إلى واحدة من أبرز مناطق إنتاج الخضراوات في المحافظة، بعدما نجح سكانها بتوسيع الزراعة ضمن البيوت البلاستيكية والأنفاق الزراعية بجهود فردية، لتصبح مصدرًا رئيسًا للخضراوات التي تُورّد إلى أسواق الحسكة والأرياف المجاورة.
وتُعرف قرية قانا باتساع المساحات المزروعة بالبيوت البلاستيكية، ما جعلها من القرى الأوسع مساحة في ريف الحسكة الجنوبي من حيث حجم إنتاج الخضراوات وكميات التوريد للأسواق المحلية.
اتجه أهالي قرية قانا من زراعة القمح والشعير بعد تراجع جدواها إلى الخضراوات داخل البيوت البلاستيكية، لتصبح في صدارة مناطق الإنتاج بالمحافظة.
عمر كرامة، وهو أحد أبناء قرية قانا، بدأ زراعة الخضراوات عام 2019، بعد تعرضه لخسائر متكررة في مواسم القمح والشعير، الأمر الذي دفعه للبحث عن بديل زراعي أكثر استقرارًا من الناحية الاقتصادية.
اتجه عمر إلى زراعة الخضراوات الشتوية، مثل البندورة والخيار والكوسا، داخل البيوت البلاستيكية، وذلك بمساعدة أحد المهندسين الزراعيين في القرية، حيث بدأ بتعلّم أساليب الزراعة الحديثة وآليات العناية بالمحاصيل ضمن الأنفاق الزراعية.
وقال إن موسمه الأول لم يحقق أرباحًا تُذكر، إلا أنه شكّل مرحلة مهمة لاكتساب الخبرة والتعرّف إلى متطلبات الزراعة المحمية، مشيرًا إلى أنه واصل العمل وتطوير مشروعه الزراعي رغم التحديات.
وأضاف أن موسم عام 2020 شهد تحسنًا ملحوظًا في الإنتاج، حيث تمكن من تحقيق أرباح قُدّرت بنحو 40% من إجمالي التكاليف التي أنفقها على المشروع، ما شجعه على الاستمرار والتوسع في زراعة الخضراوات داخل البيوت البلاستيكية.
أما أحمد الخلف فقد بدأ مشروعه الزراعي من الصفر، إذ عمل على استصلاح أرضه البالغة مساحتها ثمانية دونمات، رغم طبيعة التربة الكلسية البيضاء التي تشتهر بها قرية قانا، والتي تحتاج إلى جهد وتكاليف إضافية لتصبح صالحة للزراعة.
وقال أحمد لعنب بلدي، إنه بدأ خلال عامي 2019 و2020 بتهيئة الأرض عبر فلاحتها بشكل متكرر وإضافة الأسمدة العضوية وروث الحيوانات، لتحسين خصوبة التربة، قبل أن يبدأ فعليًا بزراعتها عام 2022 بمحاصيل البندورة والفليفلة الخضراء والباذنجان الشتوية.
وأضاف أن أبرز الصعوبات التي واجهته تمثلت في ضعف التمويل وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي، إلى جانب تكاليف إنشاء شبكات الري والبيوت البلاستيكية، فضلًا عن صعوبة تأمين المحروقات اللازمة لري المزروعات خلال فصل الصيف.
وأشار إلى أن الطلب المرتفع على الخضراوات المحلية داخل المحافظة أسهم بتحقيق أرباح جيدة، إذ تجاوزت عائداته خلال موسم واحد من مساحة ثمانية دونمات نحو 3000 دولار أمريكي، وهو رقم وصفه بـ”الجيد” مقارنة بالمواسم الزراعية التقليدية كالقمح والشعير، التي غالبًا ما تكون أرباحها محدودة.
لا يخفى على كل من يمر بالقرية مشهد الأكشاك المنتشرة على جوانب الطرق، حيث يعرض الأهالي خضراواتهم المحلية التي يزرعونها بأيديهم، ويبيعونها مباشرة من الحقول إلى المستهلك.
وتتميز هذه المنتجات بجودتها العالية، إضافة إلى أسعارها المنخفضة مقارنة بالأسواق، نتيجة غياب تكاليف النقل والتحميل، ما يجعلها خيارًا مفضّلًا لدى السكان.
يستيقظ محمد عمار كل صباح برفقة عائلته لجني الخضراوات من أرضه، ثم نقلها إلى الكشك الخاص به تمهيدًا لبيع جزء منها للمارة بأسعار مناسبة وجودة عالية.
وأنشأ محمد هذا الكشك عام 2022، بهدف تأمين دخل يومي ثابت، بدلًا من الاعتماد على بيع المحاصيل في سوق “الهال” بمدينة الحسكة، حيث يتم صرف المستحقات المالية كل 15 يومًا، ما كان يسبب له صعوبة في تلبية الاحتياجات اليومية للعائلة.
وقال إنه بات يعتمد بشكل أساسي على الكشك لتأمين دخل يومي مستمر، في حين يرسل الكميات الكبيرة من الإنتاج إلى سوق الحسكة لتصريفها بشكل كامل، ما ساعده على تنويع مصادر الدخل وتحسين وضعه المعيشي.
وأشار إلى أن هذا النظام في التسويق أسهم في تقليل الخسائر الناتجة عن تأخر الدفع في الأسواق المركزية، إضافة إلى ضمان بيع جزء من الإنتاج بشكل مباشر للمستهلكين.
على الرغم من المردود المادي الجيد لزراعة الخضراوات ضمن البيوت البلاستيكية، فإنها تعاني من صعوبات في تأمين مستلزمات الإنتاج مثل البذور والأسمدة والمبيدات وشبكات الري وأغطية البيوت البلاستيكية، مع ارتفاع أسعارها ونقص بعضها في الأسواق، ما يجعل هذا القطاع بحاجة إلى دعم أكبر لضمان استمراريته.
المشرف على حقول قرية قانا، المهندس الزراعي محمد علي، قال لعنب بلدي، إن هذه الزراعات بدأت بجهود فردية منذ عام 2019، “دون أي دعم حكومي أو منظماتي”، لتصبح القرية السلة الأولى في إنتاج الخضراوات صيفًا وشتاء، والقرية الوحيدة التي توسعت في الزراعة المحمية بهذا الشكل.
وأضاف أن زراعة الخضراوات ليست دائمًا مستقرة، إذ تتعرض المحاصيل لأمراض مثل العفن الجذري واللفحة المتأخرة وذبول النباتات، إضافة إلى إصابات الحشرات كـ”المنّ” و”الذبابة البيضاء”، في ظل شح الأدوية الفعالة وارتفاع أسعارها.
وأضاف أن استمرار هذا القطاع يحتاج إلى دعم مباشر للمزارعين عبر توفير المستلزمات الأساسية بأسعار مناسبة، وتحسين ظروف الإنتاج داخل البيوت البلاستيكية.
وأشار إلى أنه يأمل بتوسيع هذه التجربة لتشمل مناطق ريفية أخرى في محافظة الحسكة، بما يعزز الإنتاج المحلي ويقلل الاعتماد على الاستيراد.
ووصلت كمية الإنتاج الزراعي الشهرية إلى عشرات الأطنان من الخضراوات خلال فصل الشتاء، ويتم توريدها إلى أسواق مدينة الحسكة والأسواق القريبة في أريافها، ما أسهم في خفض الأسعار المحلية وتعزيز مستوى الاكتفاء الذاتي الغذائي لسكان المنطقة.
يبلغ عدد سكان قرية قانا نحو 3000 شخص، ويعتمد معظمهم على زراعة البيوت البلاستيكية كمصدر دخل رئيس، إلى جانب تربية المواشي كمورد اقتصادي إضافي.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى