حين يتكلم “الثوار”.. إشكالية التمثيل في الخطاب العام السوري

tag icon ع ع ع

حسام الدين قصاص

خلال الأسابيع الأخيرة، تصاعدت الاحتجاجات في عدة مناطق سورية للمطالبة بتفعيل العدالة الانتقالية وتسريع محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات السابقة، وذلك وسط انتقادات متزايدة من ناشطين وذوي ضحايا لما يصفونه ببطء الإجراءات الرسمية، إضافة إلى ما يعتبرونه عودة بعض الشخصيات المرتبطة بالنظام السابق إلى الظهور في بعض المناطق. 

وقد رُفعت شعارات تطالب بمحاسبة من يصفهم المشاركون بـ“الشبيحة” و“الفلول”، وبمنع إعادة دمجهم قبل إخضاعهم للمساءلة. وفي المقابل، ظهرت في بعض الفعاليات دعوات تتجاوز هذا السقف نحو الانتقام العلني، وهو ما يستدعي، بحسب أطراف متعددة، رفضًا واضحًا له لما قد يسببه من تهديد للسلم الأهلي. 

في المقابل، شددت الحكومة السورية ووزارة الداخلية والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية مرارًا على أن مسار المحاسبة هو من اختصاص مؤسسات الدولة، وأن أي ممارسات انتقامية أو محاولات لاستيفاء الحق بالذات مرفوضة وتشكل خطرًا على الاستقرار والسلم الأهلي. 

في ظل هذا التوتر وارتفاع وتيرة الحراك الشعبي المطالب بتسريع إجراءات المحاسبة، ظهرت سلسلة بيانات نُشرت باسم “ثوار المنطقة” أو “أهالي المنطقة”، تؤكد رفضها لدعوات التظاهر أو التصعيد الشعبي، وتدعو إلى الثقة بالدولة ومؤسساتها، وحصر المطالب ضمن القنوات الرسمية. 

ويمكن رصد عدد من هذه البيانات التي صدرت بأسماء متعددة مثل: “ثوار حلب الأحرار“، “ثوار وأحرار بلدة الديرخبية“، “ثوار وأحرار حي السكري“، ثوار وأهالي بلدة السبينة“، “ثوار مدينة زاكية، ثوار وأهالي منطقة داريا“، “ثوار حي الميسر في حلب“، “ثوار حلب القديمة“، إضافة إلى “القوى الثورية والفعاليات المدنية في يلدا وببيلا وبيت سحم“، وغيرها من بيانات مشابهة في مناطق أخرى. 

لا يثير مضمون هذه البيانات الجدل بقدر ما تثيره ظروف صدورها. فالتزامن والتشابه الكبير في الرسائل الأساسية، وتكرار العبارات ذاتها تقريبًا في مناطق متباعدة جغرافيًا، يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت هذه البيانات تعبيرًا عن مبادرات محلية مستقلة، أم أنها جزء من خطاب منسق يهدف إلى التأثير على المزاج العام وتوجيه النقاش حول ملف العدالة الانتقالية. 

وبتحليل مضمون هذه البيانات، يمكن ملاحظة تشابهها من حيث البنية واللغة السياسية، وتوقيت الإصدار بين يومي الخميس 18 من حزيران والجمعة 19 من حزيران. إذ تتقاطع جميعها في خطاب يركز على الثقة بالدولة، ورفض التظاهر والتصعيد الشعبي، والدعوة إلى تقديم الشهادات للجهات المختصة، مع التحذير من الفوضى والانجرار نحو الانتقام. 

ومن جهة أخرى، يلاحظ أن هذه البيانات تصدر عن جهات غير قابلة للتحديد أو التعريف، ولا تنتمي إلى كيانات منتخبة أو معروفة البنية التنظيمية، بل تتخذ شكل كيانات فضفاضة تدعي تمثيل مجتمعات محلية واسعة دون إمكانية واضحة لتتبع مصدرها أو آلية تشكيلها. 

كما تتضمن رسائل متكررة تشمل: دعم العدالة ومحاسبة المتورطين، رفض التحركات الشعبية، التحذير من الدعوات مجهولة المصدر، الدعوة إلى اللجوء للجهات الرسمية، التأكيد على الثقة بالدولة، والتحذير من الفوضى وزعزعة الاستقرار، إضافة إلى الإيحاء بوجود جهات تستغل الملف لإثارة الفتنة. وهي ذاتها تقريبًا الرسائل التي وردت في بيانات رسمية صادرة عن وزارة الداخلية والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بتاريخ 14 من حزيران. 

وعلى مستوى اللغة السياسية، يلاحظ تكرار مفردات مثل: السلم الأهلي، الاستقرار، الإجراءات القانونية، الجهات المختصة، استغلال الظروف، الفوضى، مجهولة المصدر، والثقة بالدولة. وهو ما يشير إلى وجود إطار لغوي شبه موحد، حتى وإن كان التشابه اللغوي قد يكون طبيعيًا في حال وجود تقاطع في المواقف السياسية. 

لكن الإشكالية الأساسية لا تكمن فقط في التشابه اللغوي، بل في مدى تمثيل هذه البيانات فعليًا للجهات التي تُنسب إليها، خصوصا أنها تظهر أن “الثوار” (بصياغة هذه البيانات) يدعون إلى عدم التظاهر، وهو ما يتعارض مع أحد أبرز أدواتهم الاحتجاجية وما اعتادوا عليه خلال سنوات الثورة، سواء في مواجهة نظام الأسد أو السلطات المحلية في المناطق المحررة، وأعتقد أن أول ما يخطر في بال الثوار عند الحديث عن الثورة هي صورة مظاهرة في شارع عام. 

وهذا ينسجم مع مفهوم “صناعة الإجماع”، أي خلق انطباع بوجود موقف شعبي واسع ومتماسك عبر تكرار الرسالة نفسها من جهات تبدو مستقلة شكليًا. 

وبالنظر إلى انسداد الفضاء العام في سوريا، وغياب آليات تمثيل سياسية طبيعية نتيجة غياب الأحزاب والنقابات والبرلمان وحتى المجالس المحلية المنتخبة، تبقى وسائل التواصل الاجتماعي الفضاء الأساسي تقريبًا لتشكيل النقاش العام، رغم محدوديته وإشكالاته. وفي هذا السياق، تكتسب هذه البيانات أهمية مضاعفة مقارنة بسياقات أخرى قد تُعد فيها مجرد منشورات رأي عابر. 

وهنا يبرز سؤال جوهري حول من يملك هذا الفضاء العام الهش، ومن يمتلك القدرة على تشكيل روايته. إذ إن وجود حملات تبدو عفوية وتتحدث باسم “أهالي” و“ثوار” محليين، يوحي، من خلال مجمل السياق، بأنها قد تكون موجهة أو منسقة بشكل ما، خصوصا في ظل ظهور ردود فعل تشكك فيها. 

فعلى سبيل المثال، أشار منشور للمركز الإعلامي في مدينة داريا إلى أن البيان الصادر باسم “ثوار وأهالي داريا” مجهول المصدر بالنسبة لكثير من أهالي المدينة، كما صدرت تعليقات مشابهة تطالب صفحة حي الميسر بتوضيح الجهة التي أصدرت البيان وتمثيلها، وهو نمط تكرر بدرجات مختلفة في معظم البيانات المذكورة. 

هذا النوع من اختزال التمثيل العام قد ينعكس سلبًا على الحياة السياسية الهشة أصلًا في سوريا، ويزيد من هشاشة الاستقرار الناتج عن ضعف البنية التمثيلية. كما يطرح سؤالًا حول كيفية تلقي السوريين لبيانات مستقبلية تصدر باسم “الثوار والأهالي”، في ظل تزايد الشكوك حول شرعية الجهات المصدرة لها. 

ويتجاوز الأمر مسألة خلق إجماع وهمي، ليصل إلى إعادة تشكيل صورة الفاعلين الاجتماعيين، عبر تصوير الداعين للاحتجاجات السلمية وكأنهم أقلية مشبوهة أو ذات أجندات خاصة. 

وهذا بدوره يعمّق الانقسام المجتمعي القائم أصلًا، إذ يؤدي شعور جزء من المجتمع بأنه يُستخدم للتعبير عن موقف لا يمثله فعليًا إلى حالة من الشك الداخلي بين مكونات المجتمع نفسه، ويعزز صورة “الآخر” بوصفه تابعًا لجهات معادية تستهدف السلم الأهلي والاستقرار. ومع تراكم هذا النوع من الخطاب، قد تتحول هذه البيانات إلى بذور لصراعات مستقبلية، تنمو في بيئة أصلًا مشبعة بالشك وانعدام الثقة، بدل أن تكون عامل تهدئة أو استقرار.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة