“تشرين الرياضية”.. ذاكرة اجتماعية تولد داخل حديقة وسط دمشق

حركة الزوار في حديقة "مدينة تشرين الرياضية" - 10 حزيران 2026 (عنب بلدي/ أمير حقوق)

camera iconحركة الزوار في حديقة "مدينة تشرين الرياضية" - 10 حزيران 2026 (عنب بلدي/ أمير حقوق)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – أمير حقوق

في كل مدينة هناك أماكن لا تُقاس قيمتها بما صُممت من أجله، بل بما يتركه الناس فيها من حكايات، أماكن تبدأ بوظيفة محددة، ثم تتحول مع الزمن إلى جزء من ذاكرة السكان، تحفظ أصواتهم ولقاءاتهم وأيامهم العادية التي لا تظهر في الصور الرسمية للمدينة.

عند بوابة حديقة “مدينة تشرين الرياضية” في دمشق، قد يبدو المشهد في البداية عاديًا، أشجار ومقاعد وممرات بين الأندية والملاعب، وأشخاص يقضون بعض الوقت، لكن التفاصيل الصغيرة تكشف قصة مختلفة.

في تلك الفسحة، يمكنك أن ترصد سيدة مسنة تبدأ صباحها بجلسة مع صديقاتها، عائلة تبحث عن ساعة هادئة بعيدًا عن ضجيج المدينة، شباب يتبادلون الحديث عن أحلامهم، طفل يركض بين الأشجار، ورجل كبير يتابع المشهد وكأنه يستعيد سنوات من عمره.

هنا لم تعد الحديقة مجرد مساحة خضراء مرتبطة بملعب رياضي، بل تحولت إلى مساحة اجتماعية مفتوحة، مكان يجتمع فيه الناس ليس لأن لديهم هدفًا واحدًا، بل لأن المكان نفسه أصبح جزءًا من حياتهم، فالحديقة أصبحت أشبه بمدينة مصغرة، فيها كل الأعمار، وكل القصص، وكل التفاصيل التي تصنع الحياة اليومية.

من ملعب رياضي إلى قلب اجتماعي للمدينة

ارتبط اسم حديقة “مدينة تشرين الرياضية” لسنوات بالمكان الرياضي المحيط بها، فكانت جزءًا من فضاء يقصده اللاعبون والرياضيون والمتابعون، لكن مع مرور الوقت تغيرت علاقتها بالناس، وأصبح حضورها يتجاوز النشاط الرياضي.

لم يعد الزائر يأتي فقط لمتابعة مباراة أو ممارسة نشاط رياضي معيّن، بل أصبحت الحديقة مقصدًا بحد ذاته، ومكانًا للجلوس وللقاء وللحصول على مساحة من الهدوء.

قال عبد الوهاب العتر، أحد رواد الحديقة، “في البداية كان الناس يربطون المكان بالملعب فقط، لكن مع الوقت صار للحديقة حضورها الخاص، فهناك أشخاص يأتون فقط لأنهم اعتادوا الجلوس هنا، أو لأنهم يعرفون أنهم سيجدون من يتحدثون معه”.

هذا التحول يكشف أن المكان العام لا يبقى كما خُطط له فقط، بل يعيد الناس تشكيله بحسب حاجاتهم، فالمدينة لا تصنعها الأبنية وحدها، بل العلاقات التي تنشأ داخل هذه الأبنية والمساحات، بحسب تعبير الرجل الخمسيني.

الحديقة كـ”فيسبوك قديم”

قبل أن تصبح العلاقات الاجتماعية مرتبطة بالهواتف والمنصات الرقمية، كانت الحدائق والساحات العامة تقوم بدور يشبه شبكات التواصل، واليوم تعيد الدور بطريقة مختلفة.

في ساعات الصباح، تبدأ إحدى أكثر صور الحديقة حضورًا، مجموعة من السيدات الكبيرات يجتمعن في مكان يعرفنه جيدًا.

تبدأ الجلسة بتلاوة القرآن والأدعية والاستغفار، ثم تنتقل إلى أحاديث الحياة اليومية، أخبار الأبناء، الجيران، الذكريات، ومن غاب ومن حضر.

السيدة الستينية سميرة المعراني، قالت لعنب بلدي، إن علاقتها بتلك السيدات بسيطة وهادئة قبل أن تصبح الحديقة مكانًا معروفًا للقاءات الصباحية. كانت تأتي كل واحدة منهن في الصباح الباكر، تحمل مصحفها، تختار مكانًا قريبًا من الأشجار، وتجلس بمفردها لتتلو القرآن في بداية يومها.

كان المشهد يتكرر يوميًا، سيدات متفرقات، كل واحدة في عالمها الخاص، لكن المكان كان يجمعهن حتى قبل أن تجمعهن الأحاديث.

ومع مرور الأيام، بدأت الألفة بين الوجوه، السلام الصباحي تحول إلى حديث قصير، والحديث القصير تحول إلى معرفة، وفي أحد الأيام، اقترحت إحدى السيدات فكرة جمعت هذا الوجود المتفرق، وأن تصبح التلاوة جماعية بدل أن تبقى كل واحدة وحدها.

منذ ذلك اليوم قبل عدة سنوات، تحولت الجلسة إلى عادة يومية لا تتوقف مع تغير الفصول، ففي أيام الشتاء الباردة، حيث يحمل الصباح قسوته، وفي أيام الصيف الحارة، تبقى المجموعة محافظة على موعدها.

وهنا تظهر الحديقة بصورة مختلفة، لم تعد مجرد مساحة للجلوس، بل أصبحت مكانًا يحول العادات الفردية إلى علاقات اجتماعية، فلحظة بسيطة بدأت بسيدة تحمل مصحفها وحدها، انتهت بمجموعة من السيدات لديهن موعد وذاكرة مشتركة.

فكما تجمع منصات التواصل اليوم الناس خلف الشاشات، كانت هذه الحديقة تفعل ذلك بطريقة قديمة، تجمعهم عبر الحضور والحديث والاعتياد اليومي.

 

بدأنا كل واحدة وحدها مع مصحفها، ثم جمعنا المكان، فأصبحت التلاوة موعدًا يجمعنا، ثم ننتقل إلى أحاديث الحياة اليومية، أخبار الأبناء، الجيران، الذكريات، ومن غاب ومن حضر.

سميرة المعراني

من رواد حديقة “مدينة تشرين الرياضية”

 

مقاعد الحديقة.. أرشيف صامت للمدينة

قد تبدو المقاعد ضمن الحديقة وممراتها مجرد تفاصيل صغيرة في المكان، لكنها في الحقيقة تحمل ذاكرة لا تُكتب.

على مقعد واحد قد يجلس شاب يتحدث عن مستقبله، وعلى المقعد نفسه بعد سنوات قد تجلس عائلة تستعيد ذكرى قديمة، فبعض المقاعد شهدت صداقات بدأت، وأحاديث طويلة، وانتظارات، وقرارات.

وهنا يتحدث الشاب العشريني علي الكحيلي أحد رواد الحديقة، لعنب بلدي، “أحيانًا لا تتذكر تفاصيل اليوم، لكنك تتذكر أين كنت تجلس ومن كان معك، المكان يصبح جزءًا من الذكرى”، فالحديقة لا تحفظ أسماء زوارها، لكنها تحفظ آثارهم، كل زاوية فيها تحمل قصة غير معلنة، وكل مكان جلوس يتحول إلى صفحة من ذاكرة المدينة.

بين طفل يلعب وشاب يحلم وكبير يتذكر

من أكثر المشاهد التي تمنح الحديقة خصوصيتها أنها تجمع أزمنة مختلفة في لحظة واحدة، فأي زائر يشاهد طفلًا يركض خلف كرة صغيرة، وشابًا يجلس مع أصدقائه يتحدث عن الدراسة والعمل والمستقبل، ورجلًا مسنًا يراقب الجميع ويعود بذاكرته إلى سنوات بعيدة.

قال السبعيني محمد الحمصي، إنه حين يرى الأطفال يلعبون، يتذكر أيامه، متابعًا والضحكة ترتسم على وجهه: “نفس الحماس ونفس الضحكة، فقط الزمن تغير.”

وأضاف محمد لعنب بلدي أنه في هذا المكان، لا تعيش الأجيال منفصلة، الماضي والحاضر والمستقبل يجلسون على المقاعد نفسها، فالطفل يصنع ذكرياته الأولى، والشاب يصنع قراراته، والكبير يستعيد قصته.

حديقة لا تسأل: من أنت؟

في كثير من الأماكن يحتاج الإنسان إلى سبب واضح للحضور، أما الحديقة العامة فتمنح الناس حق الوجود فقط.

وهنا لا يحتاج الشخص إلى بطاقة أو مناسبة أو تعريف عن انتمائه الجغرافي والديني، فيجلس الجميع في المكان نفسه، عائلة، شاب، مسن، طفل، وأصدقاء، “كل شخص يأتي بطريقته، لكن بالنهاية الجميع يجلسون في المكان نفسه”، بحسب السبعيني محمد الحمصي.

وبرأيه، هنا تظهر قيمة الحديقة كمساحة اجتماعية، فهي تجمع الناس قبل أن تصنفهم، وتمنحهم فرصة اللقاء بعيدًا عن الاختلافات.

وبذلك لا تظهر حديقة “مدينة تشرين الرياضية” مجرد مساحة خضراء بجانب ملعب، بل كنموذج لكيفية صناعة المدن لذاكرتها من خلال تفاصيل بسيطة.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة