
عدد من الأهالي يشاركون في إخماد الحرائق بزركان – 19 حزيران 2026 (أسوشيتد برس)

عدد من الأهالي يشاركون في إخماد الحرائق بزركان – 19 حزيران 2026 (أسوشيتد برس)
لم تكن فرق الإطفاء والطوارئ وحدها في مواجهة الحرائق الواسعة التي اجتاحت أرياف محافظة الحسكة خلال الأيام الماضية، بل برزت استجابة مجتمعية واسعة أعادت إلى الواجهة مفهوم “الفزعة” المتجذر في المجتمع المحلي.
واندفع الأهالي إلى مواقع الحرائق للمشاركة في عمليات الإخماد وحماية القرى والأراضي الزراعية، فيما تطوع أصحاب صهاريج المياه والجرارات الزراعية للمساهمة بجهودهم وإمكاناتهم الخاصة في مواجهة النيران.
وشهدت مناطق زركان (أبو راسين) وتل تمر ورأس العين والدرباسية سلسلة حرائق واسعة امتدت على مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، وأتت على آلاف الدونمات من محاصيل القمح والشعير، وسط ظروف صعبة فرضتها الرياح القوية وارتفاع درجات الحرارة واتساع رقعة الحرائق.
ومع ازدياد المخاوف من وصول النيران إلى القرى والمنازل، وجد كثير من السكان أنفسهم في مواجهة مباشرة مع ألسنة اللهب، في مشهد عكس حجم التضامن الاجتماعي الذي رافق عمليات الاستجابة.
في قرية العبوش شمال غربي الحسكة، كانت النيران تقترب من المنازل مع ساعات المساء، بعدما امتدت الحرائق من الأراضي الزراعية المجاورة باتجاه أطراف القرية.
وقال محمود الخلف، وهو أحد أبناء القرية الذين شاركوا في عمليات الإطفاء، لعنب بلدي إن الأهالي لم ينتظروا وصول المساعدة فقط، بل بادروا إلى التحرك فور مشاهدة ألسنة اللهب.
وأضاف، “في البداية كنا نعتقد أن الحريق بعيد، لكن الرياح كانت تدفع النار بسرعة كبيرة. خلال وقت قصير أصبحت النيران على مقربة من القرية، فخرج الجميع تقريبًا للمساعدة”.
وأوضح أن الشبان استخدموا الجرارات الزراعية لفتح خطوط ترابية عازلة أمام تقدم النيران، بينما شارك آخرون في إخماد الحرائق بوسائل بسيطة إلى جانب فرق الطوارئ.
“كنا نعمل لساعات طويلة دون توقف. لم يكن أحد يفكر بالتعب أو الخطر”، قال الشاب، لأن خسارة المنازل أو المحاصيل كانت تعني كارثة لكثير من العائلات”.
وأشار الخلف إلى أن بعض السكان غادروا منازلهم مؤقتًا بعد وصول النيران إلى أطراف القرية، بينما بقي آخرون للمساعدة في عمليات الإخماد وتأمين الطرق أمام فرق الاستجابة.
وفي قرية خويلد شمال شرقي الحسكة، لم يختلف المشهد كثيرًا، إذ شارك سكان القرية والقرى المجاورة في مواجهة الحرائق التي التهمت أجزاء من الأراضي الزراعية.
وقال عبد الرحمن العبد، وهو من أبناء القرية، لعنب بلدي إن الاستجابة جاءت بشكل جماعي منذ اللحظات الأولى للحريق.
وأضاف، “عندما بدأ الحريق لم يكن أحد يسأل لمن تعود الأرض أو من المتضرر. الجميع شعر أن الخطر يهدد المنطقة كلها، لذلك توجه الناس إلى مواقع النيران للمساعدة”.
وأوضح أن بعض الأهالي شاركوا بإحضار صهاريج المياه، بينما استخدم آخرون الجرارات الزراعية أو انضموا بشكل مباشر إلى عمليات الإطفاء.
وقال، “كانت هناك حالة تضامن كبيرة بين القرى. كثير من الأشخاص جاءوا من مناطق أخرى للمساعدة رغم أن النيران لم تصل إلى أراضيهم، وهذا ما ساعد على الحد من انتشار الحريق في بعض المواقع”.
وأضاف أن الأهالي استمروا في العمل إلى جانب فرق الإطفاء حتى ساعات متأخرة من الليل، خوفًا من عودة اشتعال بعض البؤر بفعل الرياح.
ومع اتساع الحرائق وارتفاع الحاجة إلى المياه، برز دور بعض أصحاب الصهاريج الخاصة الذين تطوعوا للمشاركة في عمليات الإطفاء رغم ما يترتب على ذلك من تكاليف تشغيل ونقل.
وقال محمد السلمان، صاحب صهريج مياه شارك في إخماد حرائق زركان، لعنب بلدي إنه بدأ بنقل المياه من الآبار القريبة بعد مشاهدة حجم الحرائق والخسائر التي لحقت بالمزارعين.
وأضاف، “عندما رأينا اتساع النيران أدركنا أن فرق الإطفاء تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، لذلك بدأنا بتعبئة الصهاريج من الآبار ونقلها إلى مواقع الحرائق”.
وأوضح أن عمليات النقل استمرت لساعات طويلة، وأنه تكفل بتكاليف الوقود والمياه على نفقته الخاصة.
وقال، “ما حدث كان واجبًا إنسانيًا قبل أي شيء آخر. كثير من المزارعين كانوا يشاهدون محاصيلهم تحترق أمام أعينهم، وكان لا بد من المساعدة بما نستطيع”.
وأشار السلمان إلى أن عددًا من أصحاب الصهاريج والجرارات الزراعية شاركوا في الجهود نفسها، سواء عبر نقل المياه أو المساهمة في فتح خطوط ترابية لمنع انتقال النيران بين الحقول.
وأضاف أن التعاون بين الأهالي وفرق الطوارئ لعب دورًا مهمًا في الحد من الأضرار، ولا سيما في المناطق التي كانت مهددة بخسارة مساحات أكبر من الأراضي الزراعية.
وبحسب المعلومات الميدانية التي رصدتها عنب بلدي، امتدت بعض الحرائق على مسافات طويلة في أرياف الحسكة، ووصلت النيران في بعض المواقع إلى الطرق الرئيسية، كما حاصرت محطة محروقات بين زركان وكسرة، ما أثار مخاوف من وقوع انفجارات قد تزيد حجم الخسائر.
كما واجهت فرق الإطفاء صعوبات كبيرة في الوصول إلى بعض المناطق بسبب اتساع رقعة الحرائق ووجود مخلفات حرب وألغام يُعتقد أنها ما تزال منتشرة في أجزاء من المنطقة.
وفي عدد من القرى، استخدم المزارعون جراراتهم الزراعية لشق خطوط ترابية عازلة حول الحقول، في محاولة لمنع انتقال النيران إلى مساحات جديدة من القمح والشعير.
وترافقت هذه الجهود مع مشاركة الأهالي في عمليات المراقبة والإبلاغ عن بؤر الاشتعال الجديدة، ما ساعد فرق الاستجابة على التحرك بشكل أسرع في بعض المواقع.
ويرى الباحث الاجتماعي سامر الحمود أن ما جرى خلال حرائق الحسكة لا يمكن فهمه بعيدًا عن مفهوم “الفزعة” الذي ما يزال حاضرًا بقوة في المجتمعات الريفية السورية.
وقال لعنب بلدي إن “الفزعة” تمثل شكلًا من أشكال التضامن الأهلي القائم على المبادرة الذاتية والتطوع دون انتظار مقابل مادي أو منفعة شخصية.
وأضاف أن هذه القيمة الاجتماعية لعبت عبر التاريخ دورًا مهمًا في مواجهة الأزمات والكوارث التي كانت تتعرض لها المجتمعات المحلية.
وأوضح أن أبناء القرى كانوا يتعاونون سابقًا في مواسم الحصاد وجمع المحاصيل الزراعية، كما كانوا يتشاركون في بناء البيوت الطينية ومساعدة الأسر التي تتعرض لظروف صعبة أو خسائر مفاجئة.
وقال الحمود إن الحرائق الأخيرة أعادت إحياء هذه الممارسات بصورة واضحة، حيث شارك الأهالي بجهدهم الشخصي وآلياتهم الخاصة ومياههم في حماية القرى والمحاصيل الزراعية.
وأضاف أن المجتمعات الريفية غالبًا ما تعتمد على شبكات التضامن المحلي خلال الأزمات، خصوصًا عندما تكون سرعة الحدث أكبر من قدرة المؤسسات على الوصول الفوري إلى جميع المناطق المتضررة.
وأشار إلى أن هذا النوع من العمل التطوعي لا يشكل بديلاً عن المؤسسات المختصة، لكنه يمثل عنصرًا حاسمًا في الساعات الأولى من الاستجابة، عندما تكون سرعة التدخل عاملاً رئيسيًا في تقليل الخسائر.
ورغم الخسائر الكبيرة التي خلفتها الحرائق في الأراضي الزراعية، فإنها أظهرت في الوقت نفسه جانبًا آخر من المشهد، تمثل في قدرة المجتمعات المحلية على تنظيم نفسها والتكاتف عند وقوع الأزمات.
ففي الوقت الذي كانت فيه النيران تلتهم الحقول وتهدد القرى، كان مئات السكان وأصحاب الصهاريج والجرارات الزراعية يقفون إلى جانب فرق الإطفاء والطوارئ في محاولة للحد من انتشار الحرائق وحماية ما يمكن إنقاذه.
وبينما لا تزال الجهات المختصة تواصل حصر الأضرار وتقييم الخسائر، تبقى صور الأهالي الذين أمضوا ساعات طويلة في مواجهة النيران، وصهاريج المياه التي عملت على نفقة أصحابها، من أبرز المشاهد التي رافقت واحدة من أكبر موجات الحرائق التي شهدتها محافظة الحسكة خلال الموسم الزراعي الحالي.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى