تباين حاد في ميزان التجارة بين سوريا والأردن

حركة عبور الشاحنات عبر منفذ نصيب الحدودي- 2 حزيران 2026 (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك)

camera iconحركة عبور الشاحنات عبر منفذ نصيب الحدودي- 2 حزيران 2026 (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك)

tag icon ع ع ع

أصدرت دائرة الإحصاءات العامة الأردنية تقريرًا يوضح حركة التبادل التجاري بين الأردن وسوريا.

ووفقًا للبيانات، ارتفعت الصادرات الأردنية إلى سوريا خلال الثلث الأول من عام 2026 لتصل إلى نحو 101 مليون دينار أردني (نحو 142.4 مليون دولار أمريكي)، مقارنة بـ73 مليون دينار (نحو 103 ملايين دولار) خلال الفترة نفسها من العام الماضي، مسجلة نموًا بنسبة 38.4%.

في المقابل، تراجعت واردات الأردن من سوريا لتبلغ 12 مليون دينار (نحو 16.9 مليون دولار)، منخفضة بنسبة 42.9% مقارنة بـ21 مليون دينار (نحو 29.6 مليون دولار) خلال الفترة ذاتها من عام 2025.

وأوضح أستاذ المصارف والتمويل في كلية الاقتصاد بجامعة حماة عبد الرحمن محمد، لعنب بلدي، أن بيانات الثلث الأول من عام 2026 يكشف عن طفرة غير مسبوقة في الصادرات الأردنية إلى سوريا، يقابلها انكماش ملحوظ في تدفق السلع بالاتجاه المعاكس.

هذا التباين الحاد، بحسب محمد، ليس مجرد تقلب ظرفي في الميزان التجاري، بل هو انعكاس لفجوة هيكلية متزايدة بين اقتصادين، أحدهما أعيد بناؤه على أسس تصديرية تنافسية نسبيًا، والآخر لا يزال يعاني من تشوهات إنتاجية خانقة.

وأضاف محمد أن الزيادة الكبيرة في الصادرات الأردنية لا تعكس بالضرورة قوة تنافسية أردنية صرفة بقدر ما تعكس فجوة عرض هائلة في السوق السورية.

فالاقتصاد السوري يعاني من تدمير أو توقف قطاعات إنتاجية كاملة كانت تلبي الطلب المحلي كالأدوية، ومواد غذائية مصنعة، وكيماويات، ومواد بناء متخصصة.

ولفت محمد إلى أنه في ظل غياب الإنتاج المحلي، تصبح السلع الأردنية هي البديل اللوجستي الأسرع والأقل تكلفة من الاستيراد من أسواق بعيدة.

الصادرات الأردنية لا تزاحم منتجًا محليًا، بل تسد فراغًا ناتجًا عن انهياره، وفقًا لمحمد، بالمقابل، انخفاض الواردات السورية سببه أن سوريا ببساطة لم تعد تنتج فائضًا قابلًا للتصدير بالجودة أو الكمية أو السعر التنافسي الذي يطلبه السوق الأردني أو يعبر من خلاله.

وأشار محمد إلى أن جزءًا من الصادرات الأردنية إلى سوريا يتم تمويله عبر مساعدات دولية أو قروض ميسرة أو استثمارات مباشرة موجهة لإعادة الإعمار، وقد يشمل ذلك أيضًا استخدام ودائع سورية مجمّدة تُعاد ضخها ضمن شروط محددة، هذا النمط يخلق طلبًا مدعومًا من الخارج لا يعكس بالضرورة حركة تجارية طبيعية.

كما أن المنتج السوري، يواجه تكاليف إنتاج مرتفعة نتيجة انهيار البنية التحتية للطاقة والنقل، وارتفاع تكلفة رأس المال، وروتين الجمارك والتصدير، إلى جانب سعر الصرف، مما يجعل الصادرات السورية باهظة الثمن في الخارج، بينما يجعل المستوردات رخيصة نسبيًا في السوق المحلية، وفقًا لتصريح محمد.

أسباب التباين

وعن أبرز العوامل الاقتصادية التي أدت إلى هذا التباين، استعرض محمد الأكثر تأثيرًا وهي:

  • الطلب السوري هو طلب إعادة إعمار (مواد بناء، كوابل، مولدات، معدات) واستهلاك ضرورة (غذاء، دواء)، وهي قطاعات لا تستطيع سوريا حاليًا تلبيتها محليًا بالحجم والجودة المطلوبين، بالمقابل، الأردن استثمر بكثافة في صناعات غذائية ودوائية وهندسية أثبتت جدارتها وقدرتها على التصدير.
  • تحولت سوريا إلى سوق مستوردة بامتياز، بعد انهيار الصناعة خلال السنوات الماضية، فالمستوردون وتجار الجملة تكيفوا بسرعة مع هذا الواقع وبنوا سلاسل توريد مع الأردن ودول أخرى، وليس لديهم حافز للمخاطرة بتمويل إنتاج محلي متعثر طالما أن الاستيراد، المدعوم ضمنيًا بتحويلات وأموال خارجية، مستمر ومربح.
  • كفاءة ميناء العقبة والطريق البري عبر معبر جابر- نصيب مقارنة ببدائل مثل ميناء اللاذقية الأعلى تكلفة والأبطأ بسبب إجراءات التخليص والتأمين، تمنح الصادرات الأردنية ميزة تفضيلية.

خطر استراتيجي

استمرار هذا المسار، بحسب محمد، ليس مجرد خلل في الميزان التجاري، بل خطر استراتيجي وجودي على ما تبقى من الاقتصاد الإنتاجي السوري.

والتدفق المستمر للسلع الأردنية، الممولة بتحويلات خارجية، وتدفق النقد الأجنبي يرفع سعر الصرف الحقيقي، مما يجعل أي محاولة لإعادة إحياء الصناعة المحلية غير مجدية اقتصاديًا.

وأفاد محمد أن سوريا قد تواجه خطر التحول إلى سوق تعتمد بشكل كبير على الصادرات الأردنية ونقطة عبور لها.

وفي حال حدوث أي أزمة سياسية أو لوجستية، أو إذا تم تغيير شروط التجارة أو إغلاق الحدود من قبل الأردن أو الجهات الممولة، فقد تتعرض سوريا لأزمة إمدادات فورية في مواد أساسية مثل الغذاء والدواء والطاقة، في ظل غياب بدائل محلية كافية، بحسب تصريح محمد.

وختم الأستاذ الجامعي حديثه بأن استمرار تدفقات تجارية تميل إلى اتجاه واحد، ورغم ما قد تحمله من آثار تخفيفية قصيرة الأجل، قد يتحول على المدى البعيد إلى عامل يضعف البنية الإنتاجية المحلية بدل دعمها.

وأشار أن الحل لا يكمن في سياسات الانغلاق أو إغلاق الحدود، لما لذلك من آثار اقتصادية سلبية حادة، بل في تبني مقاربة إصلاحية شاملة.

وتتمثل هذه المقاربة، بحسب محمد، في تهيئة بيئة اقتصادية محفزة للإنتاج، تبدأ بإصلاح نظام سعر الصرف ليعكس قيمته الحقيقية ويوحّده، إلى جانب توفير أطر تمويلية وتشريعية داعمة للقطاعات الإنتاجية

وفي المحصلة، أفاد محمد أن التحدي لا يتمثل في الحد من الصادرات الأردنية بقدر ما يتمثل في إعادة بناء قدرة الاقتصاد السوري على التحول مجددًا إلى اقتصاد منتج ومصدّر، لا مجرد مستورد دائم.

نحو 50 ألف شاحنة عبرت سوريا

ذكرت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، أن منفذ نصيب الحدودي يشهد حركة تجارية نشطة ومتواصلة على مدار الساعة، مع استمرار عبور الشاحنات.

وبلغ إجمالي عدد الشاحنات التي عبرت المنفذ منذ بداية العام الحالي وحتى نهاية شهر أيار الماضي، بحسب الهيئة، 50,272 شاحنة، منها 18,374 شاحنة قادمة إلى سوريا، و31,898 شاحنة مغادرة.

وقالت الهيئة إن ذلك يعكس حجم النشاط التجاري المتزايد والدور الحيوي الذي يؤديه المنفذ في حركة النقل والتبادل التجاري بين سوريا والأردن.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة