الحسكة بلا كهرباء.. توقف المولدات يضاعف معاناة الأهالي

camera iconمدينة الحسكة تعاني من توقف المولدات الكهربائية نتيجة نقص حاد في المحروقات – 26 حزيران 2026 (هاوار)

tag icon ع ع ع

دخلت مدينة الحسكة مرحلة جديدة من أزمة الكهرباء، بعد توقف المولدات الكهربائية الخاصة (الأمبيرات) عن العمل بشكل شبه كامل، نتيجة عدم تزويدها بالكميات اللازمة من المحروقات، الأمر الذي عمّق معاناة آلاف الأسر التي تعتمد على تلك المولدات بوصفها المصدر الأساسي للكهرباء، في وقت تشهد فيه المحافظة موجة حر رفعت الحاجة إلى تشغيل المراوح وأجهزة التبريد وحفظ الأدوية والأغذية.

وجاء توقف المولدات بعد يوم واحد فقط من تزويد أصحابها بكميات محدودة من المحروقات، قالت لجنة المولدات إنها تكفي للتشغيل ليوم واحد فقط، على أن تُستكمل الكميات فور وصولها، إلا أن عدم وصول الإمدادات الجديدة أدى إلى توقف المولدات مجددًا، لتعود أحياء واسعة من المدينة إلى الظلام.

ولا تبدو الأزمة محصورة بانقطاع الكهرباء، إذ امتدت آثارها إلى مختلف تفاصيل الحياة اليومية، بدءًا من حفظ الأغذية والأدوية، مرورًا بارتفاع الطلب على قوالب الثلج، وانتهاءً بتأثر أصحاب المولدات أنفسهم الذين يواجهون صعوبات في تأمين الوقود وتشغيل معداتهم.

حرارة مرتفعة ومعاناة داخل المنازل

في حي تل حجر، قال محمد العلي، وهو موظف وأب لخمسة أطفال، إن انقطاع الكهرباء المتواصل حوّل المنزل إلى “فرن” خلال ساعات النهار، مضيفًا أن العائلة لم تعد قادرة على تشغيل أي وسيلة تبريد، بينما يعاني أحد أطفاله من حساسية تنفسية تتفاقم مع ارتفاع درجات الحرارة.

وأوضح لعنب بلدي أن الأسرة اضطرت خلال الأيام الأخيرة إلى شراء قالب ثلج (بوز) بشكل يومي، تصل قيمته إلى نحو 40 ألف ليرة سورية، لاستخدامه في تبريد مياه الشرب وبعض المواد الغذائية.

وأضاف أن شراء قالب ثلج يوميًا أصبح يشكل عبئًا ماليًا جديدًا على الأسرة، لكنه “أقل كلفة من خسارة الطعام أو تعريض الأطفال لمزيد من الإرهاق الحراري”، مشيرًا إلى أن الانقطاع المستمر للكهرباء جعل الثلاجة غير قادرة على حفظ المواد الغذائية أو الأدوية التي تحتاج إلى درجات حرارة منخفضة.

وفي حي النشوة، يروي أحمد الحسن تجربة مشابهة، إذ يقول إن والدته المسنة تعاني مرضًا مزمنًا يحتاج إلى حفظ بعض الأدوية ضمن درجات حرارة مناسبة، بينما يعتمد والده على جهاز تنفس منزلي لفترات محددة، الأمر الذي جعل انقطاع الكهرباء مصدر قلق يومي للأسرة.

وأضاف أن أفراد العائلة باتوا يشترون قالب ثلج يوميًا بقيمة تصل إلى 40 ألف ليرة سورية، لتبريد الأدوية وبعض الأغذية، مؤكدًا أن استمرار الوضع بهذه الصورة يضاعف الأعباء المعيشية في وقت تعاني فيه معظم الأسر أصلًا من ارتفاع الأسعار.

ويرى أن المشكلة لم تعد مرتبطة بالكهرباء وحدها، بل أصبحت تمس الصحة العامة، خصوصًا مع وجود أطفال ومرضى وكبار سن يحتاجون إلى التبريد بصورة مستمرة خلال فصل الصيف.

أصحاب المولدات بين نقص الوقود ورداءة النوعية

ولا تقل معاناة أصحاب المولدات الخاصة عن معاناة المشتركين، إذ قال أحد أصحاب المولدات في مدينة الحسكة، فضل عدم الكشف عن اسمه، إن توقف المولدات لم يكن قرارًا من أصحابها، وإنما نتيجة مباشرة لانقطاع مادة المازوت.

وأوضح أن الكميات التي تصل إليهم غير منتظمة، وعندما تصل تكون في كثير من الأحيان محدودة جدًا ولا تكفي إلا لفترات قصيرة، الأمر الذي يجعل استمرار التشغيل شبه مستحيل.

وأضاف أن أصحاب المولدات يواجهون أيضًا مشكلات إدارية مع الجهات البلدية واللجان المشرفة، تتعلق بآليات توزيع الوقود وتنظيم العمل، في وقت تتزايد فيه مطالب الأهالي بإعادة التغذية الكهربائية.

وأشار إلى أن المشكلة لا تتوقف عند نقص الكميات، بل تمتد إلى نوعية الوقود، موضحًا أن جزءًا من المازوت الذي يصل إليهم “رديء الجودة”، ويتسبب بأعطال متكررة في المحركات، ما يفرض تكاليف صيانة إضافية ويدفع بعض أصحاب المولدات إلى إيقافها لتجنب أضرار أكبر.

وأضاف أن استمرار هذا الواقع يهدد بخروج مزيد من المولدات عن الخدمة، حتى في حال وصول كميات محدودة من الوقود، بسبب الأعطال الفنية الناتجة عن رداءة المادة.

انتقال إدارة المحروقات يخلق فجوة خدمية

من جانبه، قال المحامي عبد الكريم الخلف، إن الأزمة الحالية لا يمكن فصلها عن مرحلة الانتقال الإداري التي تشهدها المحافظة، ولا سيما فيما يتعلق بملف المحروقات.

وأوضح أن إدارة آبار النفط وملف توزيع المحروقات انتقلا إلى الحكومة السورية، بعد أن كانا يداران سابقًا من قبل “الإدارة الذاتية” ومؤسساتها، إلا أن عملية الانتقال لا تزال ترافقها فجوات واضحة في إدارة الخدمات.

وأضاف أن الحسكة تعيش اليوم حالة مركبة، فهناك مؤسسات حكومية تتولى جزءًا من الملفات، في حين لا تزال مدن مثل القامشلي والحسكة وبعض النواحي والأرياف خاضعة لسيطرة “قسد”، وهو ما يخلق تضاربًا في الصلاحيات وآليات تقديم الخدمات.

ويرى الخلف أن هذا التداخل ينعكس بصورة مباشرة على المواطنين، لأن الخدمات المدعومة، وفي مقدمتها المحروقات، تحتاج إلى إدارة موحدة وآليات واضحة للتوريد والتوزيع، بينما يؤدي تعدد الجهات المسؤولة إلى تأخير القرارات وظهور فجوات في الإمداد، تظهر آثارها سريعًا في قطاعات الكهرباء والنقل والمياه.

وأضاف أن أي مرحلة انتقالية بهذا الحجم تتطلب ترتيبات تنفيذية واضحة، حتى لا يتحمل السكان نتائج الخلافات أو التأخير الإداري، خصوصًا في الملفات المرتبطة بالحاجات الأساسية.

الكهرباء تتحول إلى أزمة معيشية

ومع توقف المولدات، وجد كثير من سكان الحسكة أنفسهم أمام خيارات محدودة، فإما تحمل درجات الحرارة المرتفعة لساعات طويلة، أو اللجوء إلى حلول مكلفة، مثل شراء الثلج أو تشغيل مولدات منزلية صغيرة بالوقود، وهي خيارات لا تستطيع غالبية الأسر تحمل تكاليفها.

كما انعكس الانقطاع على عمل المحال التجارية الصغيرة، ولا سيما تلك التي تعتمد على البرادات لحفظ المواد الغذائية، في حين اضطر بعض أصحاب المحال إلى تقليص ساعات العمل أو التخلص من كميات من المواد سريعة التلف.

ويرى سكان أن الأزمة الحالية تكشف حجم الاعتماد الذي أصبحت تمثله مولدات الأمبيرات في مدينة الحسكة، بعدما تحولت خلال السنوات الماضية إلى البديل الرئيسي للكهرباء، بحيث يؤدي توقفها إلى شلل واسع في مختلف جوانب الحياة اليومية.

ويطالب الأهالي بالإسراع في تأمين المحروقات للمولدات بصورة منتظمة، مع وضع آلية تضمن استمرارية التوزيع، تجنبًا لتكرار التوقف المفاجئ الذي يضاعف معاناة السكان، خصوصًا خلال فصل الصيف.

وكانت لجنة المولدات قد أعلنت تزويد أصحاب المولدات قبل يوم من توقفها بكميات من المحروقات تكفي للتشغيل ليوم واحد فقط، على أن تستأنف عمليات التزويد فور وصول كميات جديدة، إلا أن تأخر الإمدادات أدى إلى توقف غالبية المولدات عن العمل.

لجنة المولدات كانت قد أعلنت في وقت سابق أن نسبة المولدات المتوقفة بلغت نحو 80% نتيجة نقص المازوت، مع تأكيد استمرار التنسيق لتأمين المادة والعودة إلى برنامج التشغيل المعتاد فور توفر الإمدادات.

أزمة محروقات تتوسع بالحسكة والقامشلي

تأتي التطورات في ظل أزمة محروقات متصاعدة تشهدها مدينتا الحسكة والقامشلي منذ أيام، انعكست على قطاعات الكهرباء والمياه والنقل والخبز والنظافة، وأثارت احتجاجات شعبية متكررة بسبب تراجع الخدمات وارتفاع التكاليف.

وكانت القامشلي شهدت، خلال الأيام الماضية، احتجاجات شارك فيها العشرات من الأهالي، طالبوا خلالها بضمان استمرار تزويد المولدات الكهربائية بالمازوت، بعد تراجع ساعات التشغيل وارتفاع الاشتراكات الشهرية، ما زاد من الضغط على الأسر في ظل موجة حر وارتفاع الاعتماد على الكهرباء.

وأشار مشاركون في الاحتجاجات إلى أن نقص المحروقات أدى إلى انقطاعات متكررة في التيار الكهربائي، إضافة إلى ارتفاع كلفة البدائل مثل الاشتراكات الخاصة والمولدات، ما عمّق الأزمة المعيشية.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة