
عائلة سورية عائدة من لبنان إلى سوريا عبر منفذ جسر قمار الحدودي - 26 آيار 2026 (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك/فيسبوك)

عائلة سورية عائدة من لبنان إلى سوريا عبر منفذ جسر قمار الحدودي - 26 آيار 2026 (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك/فيسبوك)
عنب بلدي – آلاء شعبو
عندما حمل عزام السعيد (29 عامًا) ابنته الصغيرة وعاد إلى سوريا بعد 13 عامًا من الاستقرار في النمسا، كان يدرك أن مستوى الخدمات وفرص العمل والاستقرار اليومي لن يكون كما اعتاد في أوروبا، ومع ذلك، اختار العودة.
غادر عزام سوريا وهو في الـ17 من عمره لأسباب أمنية، واستقر لاحقًا في النمسا حيث حصل على الجنسية، وتزوج ورُزق بطفلة، وخلال سنوات إقامته في الخارج، زار سوريا أكثر من مرة، قبل أن يتخذ قراره بالعودة والاستقرار النهائي.
ورغم إدراكه الفارق الكبير بين الحياة في البلدين، أكد أن قراره لم يكن اقتصاديًا بقدر ما كان مرتبطًا باعتبارات عائلية وشخصية.
“رغبتي الأساسية كانت أن تنشأ ابنتي في بيئة عربية قريبة من العائلة واللغة والثقافة”، قال عزام لعنب بلدي.
وأضاف أنه رغم صعوبة الظروف الاقتصادية في سوريا، يشعر بقدرته على البدء من جديد من خلال مشروع متوسط يوفر له ولعائلته مصدر دخل واستقرارًا معقولًا.
قصة عزام ليست استثناء، لكنها ليست القاعدة أيضًا، فمنذ سقوط النظام السوري في كانون الأول 2024، عاد نحو 1.6 مليون سوري إلى بلادهم حتى نهاية عام 2025، وفق بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلا أن ملايين السوريين الآخرين ما زالوا يعيشون خارج البلاد، بين من يؤجل العودة ومن استقر نهائيًا في بلدان اللجوء أو الهجرة.
وتكشف هذه الأرقام أن السوريين لا يتخذون قرارًا واحدًا، بل مسارات مختلفة تتبدل وفق الظروف العائلية والاقتصادية، ومدى الاندماج في المجتمعات الجديدة، إضافة إلى تقييم كل فرد للواقع داخل سوريا.
في السويد، يعيش حسين بلايا (37 عامًا) منذ 12 عامًا، وعلى عكس عزام، لم يحسم قراره بعد، رغم أنه لا يستبعد العودة مستقبلًا، وقد زار سوريا لمدة عشرة أيام برفقة أطفاله، وكانت تجربة إيجابية بالنسبة لهم، إذ شعروا بارتباط قوي بالمكان وبالأجواء العائلية، لكنه قال إن الهاجس الأكبر بقي مرتبطًا بغياب فرص العمل والاستقرار المهني.
العودة بالنسبة إلى حسين ليست مسألة رغبة فقط، بل هي مرتبطة بوجود فرص عمل مستقرة وتحسن في الخدمات الأساسية، وفق ما قاله لعنب بلدي.
وأضاف أن جزءًا من تفكيره يرتبط أيضًا بأطفاله، ورغبته في أن ينشؤوا ضمن بيئة عربية وثقافية قريبة من جذورهم، لكنه في الوقت نفسه يدرك أن أوروبا توفر لهم فرصًا تعليمية ومهنية يصعب تجاهلها.
وأشار إلى أن النقاشات المتزايدة حول الهجرة والاندماج، وصعود خطاب اليمين المتطرف في أوروبا، أعادت طرح فكرة العودة لدى كثير من السوريين، إلا أن ذلك لا يعني أن القرار أصبح وشيكًا.
وبحسب حسين، فإن تجربة العودة ليست واحدة داخل العائلة نفسها، فبينما لا يزال مترددًا في اتخاذ الخطوة، عاد شقيقه إلى سوريا وافتتح محلًا صغيرًا هناك، مستفيدًا من كونه عازبًا وعدم ارتباطه بمسؤوليات عائلية كبيرة.
وقال إن هذا العامل كان من بين الأسباب التي سهّلت عليه اتخاذ قرار العودة والبدء من جديد، على عكس وضعه الحالي الذي يفرض عليه حسابات أكثر تعقيدًا تتعلق بالأطفال والاستقرار والتعليم.
بالنسبة إلى حسين، تبقى العودة مشروعًا مؤجلًا أكثر منها خطة قريبة التنفيذ، بانتظار تغيرات حقيقية داخل سوريا تسمح ببناء حياة مستقرة للعائلة.
خالد النداف (42 عامًا) يمثل نموذجًا مختلفًا، إذ عاش في دبي سبع سنوات، حيث استقر مع زوجته وعمل مترجمًا، قبل أن يقرر العودة إلى سوريا ومحاولة بناء حياته فيها من جديد.
خلال فترة عودته، بدأ خالد رحلة بحث عن بيت في اللاذقية، لكنه اصطدم بواقع أسعار مرتفعة للعقارات مقارنة بمستوى الخدمات والبنية التحتية المتاحة، ما جعل فكرة الاستقرار أكثر تعقيدًا مما توقع.
“الحياة اليومية في سوريا كانت مختلفة تمامًا عما تخيلته بعد سنوات من العيش خارجها”، قال خالد لعنب بلدي.
ومع مرور الوقت، لم تنجح محاولة الاستقرار، فقرر في النهاية العودة مع زوجته إلى دبي، حيث استأنف حياته وعمله هناك.
وأشار إلى أن الحياة في دبي ليست سهلة أيضًا، إذ يفرض ارتفاع تكاليف المعيشة تحديات مستمرة، ما يجعل قرارات مثل الإنجاب خاضعة لحسابات دقيقة.
وبالنسبة إليه، لم يعد السؤال متعلقًا بإمكانية العودة، بل باستقرار حياته الجديدة التي تشكلت بالفعل خارج سوريا.
رغم أن السوريين يتابعون التطورات السياسية والاقتصادية نفسها، فإن قراراتهم تجاه العودة تختلف بشكل واضح.
فبينما تدفع الروابط العائلية والثقافية بعضهم للعودة رغم الصعوبات، يرى آخرون أن غياب الاستقرار يجعل الفكرة غير واقعية، في حين يعتبر فريق ثالث أن سنوات الاغتراب الطويلة أعادت تشكيل حياتهم بالكامل خارج سوريا.
وتشير الباحثة في شؤون الهجرة بمركز “بون الدولي لدراسات النزاعات” شاهين منجوتك، إلى أن طول مدة الإقامة يلعب دورًا حاسمًا في هذا السياق، إذ تكون الرغبة في العودة أقوى في السنوات الأولى، ثم تتراجع تدريجيًا مع الاستقرار وبناء العائلات في الخارج.
تظهر البيانات أن أغلبية العائدين إلى سوريا جاؤوا من دول الجوار، إذ عاد نحو 640 ألف شخص من تركيا، و630 ألفًا من لبنان، وما يقارب 285 ألفًا من الأردن، وهو ما يمثل أكثر من 95% من إجمالي العائدين.
في المقابل، تبقى نسب العودة من الدول الأوروبية محدودة جدًا، رغم النقاشات السياسية والإعلامية الواسعة حول الملف.
ويُفسَّر ذلك بعوامل تتعلق بالقرب الجغرافي وسهولة التنقل، إضافة إلى الظروف الاقتصادية المختلفة في دول الجوار، حيث دفعت الأزمات المتراكمة في لبنان وتركيا أعدادًا من السوريين لإعادة التفكير بالعودة.
رغم ارتفاع أعداد العائدين خلال العامين الماضيين، يشكك خبراء في قدرة سوريا على استيعاب موجات عودة واسعة خلال المرحلة الحالية.
وذكرت الباحثة في شؤون الهجرة بمركز “بون الدولي لدراسات النزاعات” شاهين منجوتك، في حديث سابق لعنب بلدي، أن البنية التحتية وفرص العمل والخدمات الأساسية ما زالت تواجه تحديات كبيرة، وأن قرار العودة لا يُبنى على التحولات السياسية وحدها، بل على القدرة الفعلية على بناء حياة مستقرة بعد العودة.
كما أن كثيرًا من العائدين يعتمدون على مدخرات من الخارج أو تحويلات مالية من أقارب في بلدان الإقامة، وهو ما يجعل الاستقرار طويل الأمد غير مضمون.
تكشف قصص السوريين أن قرار العودة يعتمد على التجارب الشخصية، حيث تتداخل فيها العاطفة مع الحسابات المعيشية.
وبينما وجد عزام في العودة بداية جديدة لعائلته، لا يزال حسين يوازن بين الاحتمالات، في حين يرى خالد أن حياته الجديدة استقرت بالفعل خارج سوريا.
ولا تبدو هذه القرارات نهائية أو ثابتة، إذ غالبًا ما تبقى قابلة لإعادة التقييم مع تغيّر الظروف الشخصية أو العامة، فكثير من السوريين في الخارج يعيشون حالة توازن مستمر بين ما تركوه خلفهم وما بنوه في بلدان الإقامة، ما يجعل فكرة العودة أو البقاء أقرب إلى مسار طويل من التفكير المتكرر وليس قرارًا في لحظة واحدة.
كما أن اختلاف التجارب بين الأفراد داخل العائلة الواحدة قد يزيد من تعقيد هذا الخيار، خصوصًا حين تتباين فرص العمل والاستقرار والتعليم، وبين هذا التداخل، يبقى مستقبل العودة مفتوحًا على احتمالات متعددة تتغير بتغير الواقع من حولهم.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى