“بروفة يوم الحساب”.. العدالة الانتقالية على خشبة المسرح

مشهد من مسرحية "بروفة يوم الحساب" على خشبة مسرح الحمراء بدمشق - 28 حزيران 2026 (عنب بلدي)

camera iconمشهد من مسرحية "بروفة يوم الحساب" على خشبة مسرح الحمراء بدمشق - 28 حزيران 2026 (عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

في بعض العروض المسرحية لا يبدأ العرض مع رفع الستارة بل داخل المتفرج نفسه، وهو ما ينطبق على مسرحية “بروفة يوم الحساب”، التي لا تروي قصة شخصيات عاشت الحرب فحسب، بل تدعو الجمهور إلى مواجهة أسئلة مؤجلة حول العدالة والذاكرة والمصالحة، في تجربة إنسانية تتجاوز حدود الخشبة.

في مرحلة يسعى فيها المسرح السوري إلى استعادة حضوره بوصفه مساحة للحوار المجتمعي، تأتي مسرحية “بروفة يوم الحساب”، التي تُعرض على خشبة مسرح “الحمراء” بدمشق، والتي حضرتها عنب بلدي، لتقدم معالجة درامية لقضايا لا تزال حاضرة في وجدان السوريين، وفي مقدمتها العدالة الانتقالية خاصة للناجيات من الاعتقال والاختفاء القسري والذاكرة الجماعية، بعيدًا عن الخطاب المباشر أو الأحكام الجاهزة.

العمل من تأليف الكاتب فارس الذهبي وإخراج ماهر صليبي، ويعتمد على الدراما النفسية أكثر من اعتماده على تصاعد الأحداث التقليدي، فالنص يبني توتره من خلال الحوار والصراع الداخلي للشخصيات، التي تحمل كل منها ندوبًا صنعتها سنوات الحرب وما رافقها من فقدان وانتظار وأسئلة بلا إجابات.

فضاء مغلق وأسئلة مفتوحة

تدور الأحداث داخل قبو خياطة في دمشق، وهو مكان يبدو بسيطًا للوهلة الأولى، لكنه يتحول تدريجيًا إلى مساحة رمزية تختزن الخوف والانتظار والذكريات.

تعيش في هذا المكان امرأتان تحاولان التكيف مع واقع فرضته الحرب، قبل أن تلتقي إحداهما برجل يحمل معه تفاصيل قادرة على قلب حياتهما رأسًا على عقب، ليتبين أنه هو من كان يعذبهما داخل المعتقل، وتعرضتا على يديه للعنف والاستغلال.

ومن خلال هذا اللقاء، تبدأ خيوط الماضي بالظهور، لتنكشف تدريجيًا حقائق مؤلمة تدفع الشخصيات إلى إعادة النظر في مفاهيم الذنب والبراءة، والانتقام والغفران، والعدالة التي طال انتظارها.

العدالة الانتقالية بلغة الفن

لا تتعامل المسرحية مع مفهوم العدالة الانتقالية بوصفه مصطلحًا سياسيًا أو قانونيًا، وإنما تقدمه من زاوية إنسانية، فالقضية الأساسية ليست إصدار الأحكام، بل محاولة فهم أثر الانتهاكات على الأفراد وكيف تستمر في تشكيل حياتهم حتى بعد توقف الحرب.

وتطرح المسرحية تساؤلات عميقة: هل يكفي كشف الحقيقة كي يلتئم الجرح؟ وهل يستطيع الضحايا استعادة حياتهم بمجرد الاعتراف بما جرى؟ وهل يمكن بناء مستقبل مشترك من دون مواجهة الماضي؟

هذه الأسئلة تبقى معلقة أمام الجمهور، إذ يتجنب النص تقديم إجابات قاطعة، تاركًا مساحة واسعة للتأويل والتفكير.

أداء يعتمد على الانفعال الصادق

يشارك في بطولة العرض يارا صبري وروبين عيسى وجابر جوخدار، حيث يقوم الأداء على التعبير النفسي أكثر من الحركة، وهو ما ينسجم مع طبيعة النص الذي يراهن على الكلمة والصمت والانفعالات الدقيقة لبناء التوتر الدرامي.

ويلحظ أن قوة العرض لا تكمن في كثرة الأحداث، بل في قدرته على خلق حالة وجدانية تجعل المشاهد يشعر بأنه جزء من المحاكمة النفسية التي تخوضها الشخصيات.

اعتمد العرض على فضاء بصري محدود العناصر، لكن هذا التقشف جاء منسجمًا مع الحالة النفسية التي يعيشها الأبطال، فالإضاءة والألوان والديكور لم تكن مجرد عناصر جمالية، بل أدوات لتعزيز الإحساس بالعزلة والاختناق والذاكرة الثقيلة التي تفرض حضورها على كل مشهد.

يارا صبري: مساحة لنقاش العدالة الانتقالية

الفنانة يارا صبري قالت لعنب بلدي، إن العرض المسرحي يتناول واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في سوريا اليوم، وهي قضية العدالة الانتقالية، معتبرة أن الفن، والمسرح على وجه الخصوص، قادر على ملامسة نبض الشارع وفتح مساحة للنقاش حول هذا الملف.

وأضافت أن المسرح يتميز بقربه المباشر من الجمهور، إذ يتيح للفنان أن يلمس ردود الفعل بشكل فوري، الأمر الذي يمنح مثل هذه الأعمال أهمية خاصة، خاصة عندما تتناول قضايا ترتبط بالسلم الأهلي ومستقبل البلاد.

وأشارت إلى أن هذا العمل يُعد من أوائل العروض المسرحية في سوريا التي تتناول بشكل مباشر ملف العدالة الانتقالية، في محاولة لطرح رسالة موجهة إلى المجتمع وصناع القرار، تؤكد أن معالجة هذا الملف ستحتاج إلى وقت طويل، وأن للفن دورًا في مواكبة هذه المرحلة.

وترى صبري أن الفن لا يقتصر على الترفيه، بل يتسع لأنواع متعددة، منها الفن الملتزم بقضايا المجتمع.

من حق الجمهور، وفقًا لصبري، أن يجد أعمالًا ترفيهية، لكن في المقابل هناك شريحة واسعة من السوريين لا تزال تحمل جراحًا عميقة وتنتظر تحقيق العدالة، وهو ما يجعل من واجب الفنانين، انطلاقًا من مسؤوليتهم، طرح هذه القضايا على المسرح.

واختتمت بالتأكيد أن الحديث عن العدالة الانتقالية ليس مجرد تناول لقضية سياسية أو قانونية، بل هو مساهمة في تعزيز السلم الأهلي، معتبرة أن معالجة هذا الملف تمثل مسؤولية وطنية تتطلب مشاركة مختلف الفاعلين، ومن بينهم الفنانون.

روبين عيسى: تركيز على معاناة الناجيات

أكدت الفنانة روبين عيسى، أن العرض المسرحي يطرح تساؤلات جوهرية حول واحدة من أكثر القضايا حساسية في المجتمع، وهي معاناة النساء الناجيات وما يرافقها من آثار نفسية وجسدية عميقة.

وأوضحت أن العمل يسلّط الضوء على شخصيات تحمل جراحًا داخلية ثقيلة، ويكشف، عبر تطور الأحداث، عوالمها الخفية وما تعرضت له من اعتقال وانتهاكات، إضافة إلى انعكاسات ذلك على علاقتها بالمجتمع والأسرة.

وقالت إن المسرحية تحاول أن تمنح هؤلاء الضحايا صوتًا يعبر عن آلامهم ومعاناتهم.

وبحسب تعبيرها، فالعرض يطرح سؤالين أساسيين: هل يكفي الشك وحده لإدانة شخص؟ وماذا يحدث عندما يكون الجميع مقتنعًا بمسؤولية شخص ما، لكن دون وجود أدلة أو وثائق قانونية تثبت ذلك؟

وأشارت عيسى إلى أن الشخصيات في المسرحية تمتلك أكثر من فرصة للانتقام، لكنها تمتنع عن ذلك، لأن الرسالة الأساسية تؤكد أن العدالة لا تتحقق خارج إطار القانون، قائلة: “نحن نؤمن بأن هناك دولة وقانونًا ومحكمة وقاضيًا، ولذلك نرفض أن يتحول الضحايا إلى منفذين للعدالة بأنفسهم، بل ندعو إلى الاحتكام للقضاء”.

جابر جوخدار: رسالة تضامن

أما الفنان جابر جوخدار فقال لعنب بلدي، إن الهدف من المشاركة في هذا العمل هو الوقوف إلى جانب جميع المتألمين والمتضررين، وإيصال رسالة تضامن تؤكد أن معاناتهم لن تُنسى.

وأضاف أن تحقيق العدالة يتطلب الصبر وعدم التسرع، خصوصًا في القضايا الشائكة، حتى تكون الأحكام عادلة ومنصفة، مشددًا على أن العدالة يجب أن تتحقق بعيدًا عن ردود الفعل المتسرعة.

وعن أهمية تناول هذه القضايا على خشبة المسرح، أوضح جوخدار أن الفن ليس مجرد مساحة للترفيه، بل يمكن أن يكون منصة لمناقشة قضايا العدالة والذاكرة الجماعية. وأكد أن هذا النوع من العروض مناسب في كل زمان ومكان، لكنه يكتسب أهمية مضاعفة في السياق السوري.

وأشار إلى أن التفاعل الكبير الذي لمسه من الجمهور يعكس حاجة الناس للتعبير عن آلامهم، موضحًا أن الرسالة ليست الدعوة إلى الانتقام، وإنما المطالبة بعدالة حقيقية تتيح للضحايا التعبير عن وجعهم ووجع الآخرين.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة