موفدو التعليم العالي في سيرك اللامحترفين

طلاب في كلية الهندسة المعمارية بجامعة دمشق - 5 آب 2025 (جامعة دمشق)

camera iconطلاب في كلية الهندسة المعمارية بجامعة دمشق - 5 آب 2025 (جامعة دمشق)

tag icon ع ع ع

مصطفى حسين بطيخة

أستاذ جامعي وكاتب سوري

في العام 2011 قمت بنشر مقال على موقع جريدة “عكس السير” بعنوان: “السيرك وقرارات وزارة التعليم العالي”، وكان المقال نقديًا لقرار اتخذته وزارة التعليم العالي آنذاك بخصوص مسابقات التسجيل في الدراسات العليا بعد التخرج ومسابقات اختيار المعيدين للإيفاد، وكان القرار جليًا ضد التفوق ويعطي الفرصة بما لايقطع الشك للطالب غير المتفوق بأن يدخل المنافسة ويحوز مقاعد المتفوقين، وهذا ماحصل بالفعل فوجد كثير من أصحاب الصفوف الأولى في الدراسة أنفسهم ضحايا لهذا القرار لصالح طلاب تدلل درجاتهم بوضوح أنهم بعيدون بأشواط عن التفوق. في نفس المقال قدمت عن المفهوم الإيجابي للسيرك والذي لا بد أن يحوي لاعبين محترفين لما فيه من فقرات تستخدم السكاكين والمهارات الخيالية أو الحيوانات المفترسة، ولولا الاحتراف لحدثت في هذا السيرك جرائم عدة، ولشاهدنا رؤوسًا تهوي، أو أجسادًا ترتطم بالأرض من الأعلى، أو حيوانات تفترس إنسانًا، أو فيلًا يدهس مدربه.

وقد دللت في نفس المقال كيف أن وزارة التعليم العالي وبقراراتها كانت ولسنوات مضت كما سيرك بلاعبين غير محترفين، فجاءت قراراتهم لتدمي جسد التعليم العالي، وقد ذكرت في المقال بعض الأمثلة.

ولنا أن نسأل: هل جاء اليوم محترفون لسيرك التعليم العالي؟ أم ما زال مدير السيرك (ولا أقصد الوزير هنا) يأتي بغير المحترفين ليبقى سيركًا لايستحق المشاهدة، سيركًا لايحمل قيمة التذكرة التي دفعت من أجله.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، تم طرح قضية موفدي التعليم العالي في تسع مقالات، وتعتبر المقالة المنشورة على جريدة “زمان الوصل” بعنوان: “موفدو التعليم العالي: برسم وزير العدل” مفصلة من حيث استعراضها للجانب القانوني والدستوري لقضية الموفدين، ومن حيث الكشف أن وزارة التعليم العالي تهدف للتكسب غير المشروع، من خلال مطالبة الموفدين بمبالغ تتجاوز 300 مليون دولار، وهي مبالغ أكثر بحوالي 400 ضعفًا ما دفعته عليهم، فأي ربا هذا، وأي سيرك هذه الوزارة.

بتاريخ 6 حزيران 2026، نشرت جريدة “زمان الوصل” مطالبة بعنوان: “ملف الموفدين: استعادة العقول تتطلب إنهاء سياسات التسويف”، وهنا أعلنت وزارة التعليم العالي في 14 من حزيران 2026 على صفحتها خبرًا مفاده أن أكثر من 140 موضوعًا على طاولة مجلس التعليم العالي، ففرح الموفدون أن قضيتهم لا بد أن تكون من ضمن هذا الكم الهائل من المواضيع (140 موضوعًا…ياالله)، وصار حالهم في فرحتهم كأغنية ميادة الحناوي: “غنيت لك.. ولك أغني.. رقصت جدران قلبي.. فرحت آهات حزني”.

ومر يوم ويومان وأسبوع وأسبوعان، فإذا الموفدون لا موضوع لهم ولاقرار من ضمن حزمة الـ “140 موضوعًا” وسيبقون على التسويف كما وصفت “جريدة زمان” الوصل قضيتهم بعنوانها.

وبالعودة إلى مقالي الذي بدأت منه في العام 2011، فقد قابلني على إثره وزير التعليم العالي آنذاك، الدكتور عبد الرزاق شيخ عيسى، وتناقشنا في الموضوع وتفهم ماكتبت وتم إلغاء القرار في العام الذي يليه، فعادت المقاعد للمتفوقين في الدراسات العليا والإيفاد، وما هذه الحادثة إلا للمقارنة بين السيركين: سيرك الماضي وسيرك الحاضر للتعليم العالي، فيبدو أن سيرك الماضي احتوى من يستمع، أما سيرك اليوم فلا حياة لمن تنادي حتى حق عليهم قول الشاعر:

لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيّـًا.. ولكن لا حياةَ لمن تنادي

ولو نارًا نفختَ بها أضاءت.. ولكن أنت تنفخ في رمادِ

فيا مدير سيرك التعليم العالي (وأعود وأؤكد أنني لا أقصد الوزير هنا): هلا جئت لنا بلاعبين محترفين فإن سيركك صار مملًا، وفقرات مهرجه الكوميدي صارت غير مضحكة، وصار ساحرك مكشوفًا، ورامي سكاكينك يخطئ الهدف، وحيواناتك المفترسة صارت جائعة وتفترس الحضور.

أما للموفدين وهم من كانوا محترفين في هذا السيرك قبل أن يغادروه لرداءة أدائه ومديريه، وهم من استقبلتهم سيركات عالمية محترفة فأصبحوا فيها لاعبين تأتي الناس لمشاهدة إبداعاتهم، فأقول لهم: لقد انتهى شهر عسلكم مع سيرك التعليم العالي الحالي، وعار عليكم إن اشتريتم منه بطاقة دخول، ولا أقول لكم إلا كما قال محمود درويش: “سقط القناع عن القناع.. حاصر حصارك لا مفرُّ.. فإما أن تكون أو لا تكون”.

لقد آن الأوان لكم أن تتركوا لغة المجاملات، وتستمروا بالصراخ في وجه هذا السيرك الذي يستعين بمراسيم أسدية استثنائية ليحرمكم حقوقكم القانونية والدستورية التي تمت الكتابة عنها بالتفصيل، هو يريد التكسب غير المشروع على حسابكم ليعوض خسائر سيركه الفارغ بدون حضور، وليدفع من أموالكم للاعبيه غير المحترفين، سيرك يناقش 140 موضوعًا ويبقيكم أنتم المحترفون على طاولة التسويف.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة