جيوب أضيق وأسواق أهدأ.. ركود يخيم على أسواق الحسكة

camera iconسوق الحسكة المركزي – 26 أيار 2026 (عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

تشهد الأسواق في محافظة الحسكة تراجعًا ملحوظًا في النشاط التجاري خلال الفترة الحالية، وسط استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وتقلبات سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار، إلى جانب ارتفاع أسعار المحروقات، وهي عوامل يقول تجار ومواطنون إنها دفعت غالبية الأسر إلى تقليص إنفاقها والتركيز على شراء الاحتياجات الأساسية فقط.

ويأتي هذا الواقع في وقت يواجه فيه السكان ضغوطًا معيشية متزايدة، إذ انعكست التغيرات المستمرة في أسعار الصرف على أسعار معظم السلع، بينما زادت تكاليف النقل والإنتاج بفعل ارتفاع أسعار الوقود، الأمر الذي أدى إلى تباطؤ واضح في حركة البيع والشراء داخل الأسواق.

مشتريات تقتصر على الضروريات

قال خالد العالي، وهو موظف من سكان مدينة الحسكة، إن شراء المستلزمات المنزلية أصبح أكثر صعوبة مقارنة بالأعوام الماضية، موضحًا أن الأسرة باتت تضطر إلى إعادة ترتيب أولوياتها مع كل زيارة إلى السوق.

وأضاف في حديثه لعنب بلدي أن معظم العائلات لم تعد قادرة على شراء الكماليات أو حتى بعض الاحتياجات التي كانت تعدّ اعتيادية في السابق، نتيجة الارتفاع المتواصل في الأسعار وعدم تناسبها مع مستويات الدخل.

وأشار إلى أن أسعار السلع تتغير بصورة متكررة تبعًا لتحركات سعر صرف الدولار، الأمر الذي يجعل المواطنين في حالة ترقب دائم، خشية ارتفاع جديد في الأسعار، بينما لا تشهد مصادر الدخل أي زيادة تواكب هذه التغيرات.

ولفت إلى أن ارتفاع أسعار المحروقات لا ينعكس فقط على أجور النقل، وإنما يمتد تأثيره إلى مختلف السلع، باعتبار أن تكاليف الشحن والإنتاج والتوزيع تدخل في السعر النهائي الذي يتحمله المستهلك.

ويرى أن تعزيز الرقابة على الأسواق وضبط الأسعار وفق معايير واضحة، إلى جانب الحد من تقلبات سعر الصرف، قد يسهم في تخفيف الضغوط التي تواجهها الأسر، ويمنح الأسواق قدرًا أكبر من الاستقرار.

التجار يشكون ضعف الإقبال

من جهته، قال عمر السلمان، صاحب متجر للمواد الغذائية في مدينة الحسكة، إن الحركة التجارية شهدت تراجعًا واضحًا خلال الأشهر الأخيرة، مبينًا أن عدد الزبائن انخفض، كما تراجعت قيمة المشتريات مقارنة بالفترات السابقة.

وأوضح أن المستهلكين أصبحوا يشترون كميات أقل من احتياجاتهم اليومية، بينما تؤجل كثير من الأسر شراء بعض المواد غير الأساسية بسبب ضيق الإمكانات المالية.

وأضاف أن التجار يواجهون بدورهم صعوبات مرتبطة بعدم استقرار الأسعار، إذ تتغير تكاليف شراء البضائع بصورة متكررة مع تغير سعر الصرف، وهو ما يضع أصحاب المحال أمام تحديات في تسعير منتجاتهم.

وأشار إلى أن استمرار ارتفاع أسعار المحروقات يرفع من تكاليف نقل البضائع بين المحافظات، ويؤثر في أسعار المنتجات الزراعية والغذائية والسلع الاستهلاكية، وهو ما ينعكس في النهاية على المستهلك.

ويرى أن تحسن الحركة التجارية قد يرتبط خلال الفترة المقبلة بانتهاء موسم الحصاد ودخول سيولة مالية جديدة إلى الأسواق، لكنه شدد على أن هذا التحسن سيظل محدودًا إذا استمرت أسعار الوقود عند مستوياتها الحالية أو بقيت أسعار الصرف عرضة للتقلبات اليومية.

كما دعا إلى اتخاذ إجراءات اقتصادية من شأنها تخفيف الأعباء عن التجار والمستهلكين، من خلال استقرار السياسات المالية، والحد من تكاليف الاستيراد والنقل، بما يسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية.

انعكاسات على النشاط الزراعي

بدوره، قال سليمان العبد الله، وهو مزارع من ريف الحسكة، إن ارتفاع أسعار المحروقات ترك آثارًا مباشرة على القطاع الزراعي ولاسيما الخضار الصيفية، بدءًا من تكاليف تشغيل الآليات الزراعية، مرورًا بعمليات الري والنقل، وصولًا إلى تسويق المحاصيل.

وأشار إلى أن كثيرًا من المزارعين يواجهون صعوبات في تغطية نفقات الإنتاج، الأمر الذي قد ينعكس مستقبلاً على حجم الإنتاج الزراعي واستقرار الأسواق المحلية.

ويرى أن دعم القطاع الزراعي وتخفيض تكاليف مستلزمات الإنتاج، ولا سيما الوقود، يمكن أن يسهم في خفض أسعار العديد من السلع الأساسية، باعتبار أن الزراعة تشكل أحد أهم القطاعات الاقتصادية في محافظة الحسكة.

تقلبات الصرف تزيد الضغوط

ويؤكد تجار أن تغير سعر صرف الدولار خلال الأيام الأخيرة، والذي تراوح بين نحو 12600 و13400 ليرة سورية، انعكس بصورة مباشرة على الأسعار، إذ تعتمد شريحة واسعة من التجار على سعر الصرف في تحديد أسعار بضائعهم، سواء المستوردة أو المحلية التي تدخل في إنتاجها مواد أولية مستوردة.

ويشير هؤلاء إلى أن عدم استقرار سعر الصرف يدفع بعض التجار إلى توخي الحذر في عمليات الشراء، خشية التعرض لخسائر في حال حدوث تغيرات مفاجئة، بينما ينعكس هذا الحذر على حركة السوق ويؤدي إلى تباطؤ النشاط التجاري.

في المقابل، يفضل كثير من المستهلكين تأجيل بعض المشتريات انتظارًا لاحتمال انخفاض الأسعار، أو الاكتفاء بالحد الأدنى من الاحتياجات، وهو ما يزيد من حالة الركود التي تشهدها الأسواق.

مطالب بمعالجات اقتصادية

ويرى أحمد التركي وهو خبير اقتصادي من المنطقة أن معالجة حالة الركود الحالية تتطلب حزمة من الإجراءات الاقتصادية، تشمل تعزيز الرقابة على الأسواق لمنع التلاعب بالأسعار، والعمل على تحقيق قدر أكبر من الاستقرار في سعر الصرف، إلى جانب مراجعة أسعار المحروقات والرسوم التي تؤثر في تكاليف الإنتاج والاستيراد.

كما يؤكد أن تنشيط سوق العمل وخلق فرص عمل جديدة من شأنه أن يسهم في تحسين القدرة الشرائية للأسر، ويعيد جزءًا من النشاط إلى الأسواق المحلية، خاصة في محافظة تعتمد شريحة واسعة من سكانها على الزراعة والتجارة والأعمال اليومية كمصادر رئيسة للدخل.

ويشير التركي إلى أن استمرار تراجع القوة الشرائية، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتقلبات الأسعار، يجعل الأسواق في الحسكة أمام تحديات متزايدة، وسط ترقب لأي إجراءات اقتصادية قد تسهم في تخفيف الضغوط عن المواطنين وإعادة الحيوية إلى الحركة التجارية.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة