مخاوف من ترسيخ أمر واقع

تصعيد “عابدين”.. اختبار إسرائيلي لرد فعل دمشق وموقف واشنطن

طفلان يسيران قرب بناء متضرر في قرية عابدين بمحافظة درعا بعد توغل للجيش الإسرائيلي في المنطقة - 29 حزيران 2026 (AP)

camera iconطفلان يسيران قرب بناء متضرر في قرية عابدين بمحافظة درعا بعد توغل للجيش الإسرائيلي في المنطقة - 29 حزيران 2026 (AP)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي ـ ركان الخضر

صعّد الجيش الإسرائيلي من تحركاته في الجنوب السوري خلال الأيام الأخيرة، عبر استهداف قرية عابدين ومحيطها في ريف درعا الغربي بقذائف المدفعية وإطلاق النار بالرشاشات الثقيلة من طائرة مروحية، في 28 من حزيران الماضي، وسط تحليق للطيران الحربي والمروحي الإسرائيلي في أجواء محافظتي درعا والقنيطرة.

وذكرت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) أن القصف على قرية عابدين ألحق أضرارًا في الأراضي الزراعية ومحيط القرية، دون تسجيل إصابات بشرية، فيما دفعت حالة الخوف التي رافقت القصف عددًا من الأهالي إلى النزوح نحو البلدات والقرى المجاورة.

وقال قائد عمليات الدفاع المدني بمديرية الطوارئ وإدارة الكوارث في جنوبي سوريا، أحمد الهاجر، إن القصف الإسرائيلي لم يسفر عن إصابات بين المدنيين، لكنه تسبب بحالة من الهلع دفعت عددًا من العائلات إلى مغادرة القرية.

وعملت فرق الدفاع المدني على نقل العائلات وتأمين احتياجاتها، في ظل تحليق الطيران المسيّر الإسرائيلي، قبل أن يعود الهدوء إلى القرية بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من المنطقة.

وسبق عمليات الاستهداف الإسرائيلي توغل دورية عسكرية مؤلفة من أربع سيارات بعد ظهر الأحد 28 من حزيران الماضي، في القرية الواقعة بمنطقة حوض اليرموك بريف درعا الغربي المحاذي للجولان السوري المحتل.

وأفاد مراسل عنب بلدي في درعا أن عناصر الدورية أطلقوا النيران بشكل عشوائي وأقاموا حواجز عسكرية في المنطقة، مما دفع الأهالي للتجمهر.

وشكّل هذا التحرك، بحسب المراسل، أول توغل نهاري علني تنفذه القوات الإسرائيلية في المنطقة، بعد أن اقتصرت تحركاتها السابقة على توغلات ليلية.

وجاءت التحركات الإسرائيلية بعد إعلان المتحدث الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، عن قتل عدد من “المسلحين في المنطقة الأمنية” جنوبي سوريا صباح ذلك اليوم.

وقال أدرعي، إن قوات “الفرقة 210″ قضت فجر الأحد (28 من حزيران) على عدد ممن وصفهم بـ”المسلحين” في منطقة “التأمين الدفاعية” جنوبي سوريا.

وأضاف أن الجيش الإسرائيلي سيواصل العمل في منطقة “التأمين الدفاعية” لإزالة كل تهديد يستهدف مواطني إسرائيل وقوات الجيش الإسرائيلي.

أهداف التصعيد الإسرائيلي

الباحث في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” الدكتور سمير العبد الله، يرى في حديث إلى عنب بلدي، أن التصعيد العسكري الإسرائيلي في الجنوب السوري يسعى لتحقيق عدة أهداف في وقت واحد.

وتشمل هذه الأهداف، بحسب العبد الله، اختبار رد فعل القيادة السورية الجديدة ومدى تغير مقاربتها تجاه التحركات الإسرائيلية، خاصة في ظل الضغوط التي مورست على دمشق خلال الفترة الماضية للتدخل عسكريًا في لبنان ضد “حزب الله”، كما تمثل أيضًا اختبارًا للموقف الأمريكي، ومدى استعداد واشنطن لممارسة ضغوط على إسرائيل للدفع نحو ترتيبات أو تفاهمات أمنية مع دمشق.

وأوضح العبد الله أن الهدف الإسرائيلي الثالث، يركز على فرض أمر واقع جديد في المناطق الحدودية، بحيث تتحول التوغلات والانتهاكات المتكررة إلى واقع اعتيادي مع مرور الوقت، محذرًا من خطورة هذا النهج الذي ينسجم مع سياسة إسرائيلية اعتمدتها في محطات تاريخية مختلفة، تقوم على تكريس وقائع ميدانية تدريجية يصعب التراجع عنها لاحقًا إذا لم تواجه بردود سياسية ودبلوماسية فعالة.

وأشار إلى عدم إمكانية فصل التصعيد الإسرائيلي عن السياق الإقليمي الأوسع، بما في ذلك تداعيات الحرب على إيران، ومسارات التفاوض المرتبطة بها، ومحاولات إعادة رسم موازين القوى والترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط.

من جهته، يرى الباحث والكاتب الصحفي السوري فراس علاوي أن هدف الحكومة الإسرائيلية من عمليات التصعيد في الجنوب السوري ينقسم إلى داخلي وخارجي.

ويتمثل الهدف الداخلي، وفق علاوي، في رغبة الحكومة الإسرائيلية بالذهاب إلى أي تصعيد خارجي من أجل التغطية على الملفات الداخلية، خاصة في ظل مواجهة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، محاكمات بتهم الفساد، بالإضافة إلى استطلاعات الرأي الأخيرة التي تشير إلى تراجع شعبية حكومته في الشارع الإسرائيلي، الأمر الذي يدفع حكومة نتنياهو إلى إيجاد نوع من الصراع الخارجي، لإشغال الجمهور الإسرائيلي عن مشكلاته الداخلية.

بينما يتمحور الهدف الخارجي في إطار الاستراتيجية الإسرائيلية الساعية إلى ترسيخ “مناطق أمنية” يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، من خلال خلق ذرائع بوجود مجموعات مسلحة تشكل خطرًا على حدودها، ومحاولة ممارسة نوع من الضغط على الحكومة السورية لتوقيع اتفاق أمني يخدم المصالح الإسرائيلية، خاصة بعد توقيع الهدنة الأمريكية الإيرانية التي لاقت اعتراضات كبيرة في الداخل الإسرائيلي، وتسببت في توجيه انتقادات لاذعة من المعارضة الإسرائيلية لحكومة نتنياهو.

خيارات الرد السوري

أدانت وزارة الخارجية والمغتربين السورية التوغلات الإسرائيلية في محافظتي درعا والقنيطرة، إلى جانب القصف المدفعي الذي استهدف مناطق في الجنوب السوري، معتبرة أن هذه العمليات تمثل “انتهاكًا صارخًا” للسيادة السورية ووحدة أراضيها.

وقالت الوزارة، في بيان صدر في 29 من حزيران الماضي، إن هذه الاعتداءات تشكل خرقًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، إضافة إلى اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، مشيرة إلى أنها تسببت بترويع المدنيين في المناطق المستهدفة.

الباحث فراس علاوي يرى أن خيارات دمشق لمواجهة التصعيد العسكري الإسرائيلي في الجنوب تقتصر على الخيارات الدبلوماسية، مشيرًا إلى أن الحكومة السورية غير جاهزة في الظروف الحالية للذهاب باتجاه خوض أي صراع عسكري مباشر مع إسرائيل إلا إذا اقتضت الضرورة القصوى.

وقال علاوي، إن الخيارات الدبلوماسية السورية لإيقاف هذه التحركات الإسرائيلية ربما تشمل استخدام دمشق لعلاقاتها الجيدة مع بعض الدول التي تملك قدرة على التحدث مع إسرائيل سواء على مستوى المنطقة والعالم، مثل الولايات المتحدة الأمريكية والإمارات للضغط باتجاه إنهاء هذا الملف.

ولم يستبعد علاوي تحركًا سوريًا على الأرض لمواجهة إسرائيل بعيدًا عن خوض أي صراع مباشر، من خلال الاعتماد على الحراك والمقاومة الشعبية دون إقحام القوات الحكومية السورية في المواجهة.

الباحث سمير العبد الله يعتقد أن بيان إدانة التحركات الإسرائيلية الصادر عن وزارة الخارجية يمثل خطوة دبلوماسية ضرورية، لكنه غير كافٍ إذا لم يترافق مع تحرك سياسي ودبلوماسي أوسع، فالمسألة لا تتعلق بحادث أمني عابر، وإنما بمحاولات لترسيخ السيطرة على أجزاء من الأراضي السورية وخلق وقائع جديدة على الأرض.

وأوضح العبد الله أن دمشق تحتاج إلى تبني استراتيجية أكثر نشاطًا، تشمل تكثيف التحرك في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، والتواصل المباشر مع الدول المؤثرة، بما فيها الدول الحليفة لإسرائيل، لحشد موقف دولي رافض لهذه الانتهاكات إلى جانب تعزيز التوافق الداخلي وتوحيد الموقف الوطني في مواجهة أي محاولات للمساس بالسيادة السورية.

قدرة الأمم المتحدة على التأثير

قالت وزارة الخارجية في بيان الإدانة، إن استمرار الاعتداءات يقوض جهود ترسيخ الأمن والاستقرار، ويزيد من معاناة المدنيين، وينذر بمزيد من التصعيد في المنطقة، داعية الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياتهما، واتخاذ إجراءات لوقف الانتهاكات المتكررة وضمان احترام اتفاقية فض الاشتباك بما يحفظ سيادة سوريا ووحدة أراضيها.

الدعوة السورية لتدخل الأمم المتحدة تطرح تساؤلات عدة حول أهدافها ودوافعها، واستفسارات حول طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه المنظمة الأممية في التأثير على التحركات الإسرائيلية في الجنوب السوري.

الباحث سمير العبد الله يعتقد أن منظمة الأمم المتحدة تستطيع من الناحية القانونية توثيق الانتهاكات، وعقد جلسات في مجلس الأمن، وإصدار تقارير وقرارات، وتفعيل دور قوات مراقبة فض الاشتباك عند الاقتضاء، إلا أن قدرتها على فرض تغيير عملي على الأرض تبقى محدودة.

وقال إن التعويل على الأمم المتحدة وحدها لن يكون كافيًا، فالتحرك الأممي ينبغي أن يكون جزءًا من استراتيجية دبلوماسية وسياسية أشمل، تستند إلى بناء ضغوط إقليمية ودولية متواصلة، وليس الاكتفاء ببيانات الإدانة.

من جانبه، يعتبر الباحث فراس علاوي أن دعوة وزارة الخارجية السورية إلى تدخل الأمم المتحدة تمثل نوعًا من “رفع العتب”، بحسب تعبيره، ويندرج في إطار الخطاب القانوني من أجل إنهاء هذه التدخلات، عبر وضع المنظمة الأممية بصورة التحركات والاستفزازات الإسرائيلية على الأرض لتحمل مسؤولياتها بصفتها الجهة المراقبة لاتفاقية فض الاشتباك ووقف إطلاق النار بين الجانبين.

ويرى علاوي أن المنظمة الأممية غير فعالة على الأرض، ولا تملك قدرة على التأثير في تحركات الجيش الإسرائيلي، لكن الحكومة السورية مطالبة بهذه الخطوة لوضع المنظمة الدولية أمام مسؤولياتها.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة