استشارية تشرح الأخطار والضوابط

“أطفال الميديا”.. صغار في مصيدة صناعة المحتوى

الأولوية المطلقة للأهل هي تأمين الاستقرار النفسي لأبنائهم وحمايتهم من هوس الشهرة والتربح المادي (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

camera iconالأولوية المطلقة للأهل هي تأمين الاستقرار النفسي لأبنائهم وحمايتهم من هوس الشهرة والتربح المادي (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – شعبان شاميه

بين دعم المواهب والهوس برغبة النجومية وتحقيق عوائد مالية مجزية، تندفع عائلات كثيرة إلى عرض تفاصيل حياة أطفالها عبر منصات التواصل الاجتماعي.

هذا الاندفاع يفرز واقعًا نفسيًا معقدًا، إذ تنشأ أزمة تربوية حادة حين تتحول الكاميرا من وسيلة ترفيه إلى التزام يومي يربط بين الطفل وقيمته الذاتية.

تناقش عنب بلدي في هذا التقرير ظاهرة “أطفال الميديا”، وتبحث في كيفية سلب الجمهور الرقمي للأمان التربوي للطفل، وإجباره على تزييف هويته لإرضاء المتابعين على حساب نموه السليم في بيئة أسرية واقعية.

معايير الاستغلال التجاري للطفولة

يبدأ الاستغلال التجاري للطفولة رقميًا عندما تتفوق مصالح المحتوى والتفاعل على مصلحة الطفل، وفق ما ذكرته الاستشارية في علم النفس الأسري الدكتورة هبة كمال العرنوس، في حديث إلى عنب بلدي.

الاستشارية النفسية الأسرية الدكتورة هبة كمال العرنوس،

وتتجلى هذه الظاهرة في إجبار الأطفال على التصوير خلال التعب، أو إعادة المشاهد لتكون مضحكة، ونشر لحظات ضعفهم وبكائهم لجذب الجمهور، وهو سلوك قد ينتج أحيانًا عن حب مفرط وطموح غير واعٍ من الأهل دون نية سيئة.

ويظل المعيار الحاسم، بحسب الاستشارية، هو قدرة الطفل على الرفض دون خسارة رضا والديه، واستعداد الأسرة لإيقاف الحساب فورًا إذا مس خصوصيته، إذ إن تحول الطفل إلى مصدر لدخل العائلة أو مكانتها الرقمية يضعه في علاقة غير متكافئة، ويحمله أعباء نفسية تفوق قدرته على الفهم أو الممانعة.

صناعة “الذات المؤداة”

حذرت استشارية علم النفس الأسري من المخاطر العميقة للشهرة المبكرة على هوية الطفل التي لا تزال في طور التكوين.

وأوضحت أن الأضواء تحرم الطفل من مساحته الطبيعية للتجريب والخطأ وتغيير الاهتمامات بعيدًا عن رقابة الجمهور.

وأشارت العرنوس إلى أن خطورة هذه الظاهرة تكمن في تجميد الطفل داخل قالب ونمط واحد (كالذكي أو المضحك أو الجريء)، مما يدفعه بمرور الوقت إلى تصنيع “ذات مؤداة” لإرضاء المتابعين على حساب عفوية ذاته الحقيقية.

أما البُعد الأكثر خطورة، بحسب الاستشارية، فيكون عند تراجع نسب المشاهدات، إذ يعجز الطفل عن فهم آليات المنصات التقنية، ويفسر انخفاض التفاعل كرفض شخصي ومباشر له، ما يربط قيمته الذاتية بخوارزميات معقدة تجعل استقراره النفسي هشًا ومتذبذبًا.

بين نشوة المدح وصدمة السخرية

حول أثر التعليقات والتقييم العلني، قالت الاستشارية إن التقييم العلني يظل أمرًا قاسيًا حتى على الأشخاص الراشدين، فكيف بطفل لم تكتمل لديه أدوات الحماية النفسية بعد؟

وأضافت أن التعليقات الإيجابية، وإن كانت تمنح الطفل نشوة مؤقتة، إلا أنها تعوّده على استمداد قيمته الشخصية من الخارج عوضًا عن بنائها داخليًا.

وفي المقابل، نبهت الاستشارية إلى أثر التعليقات السلبية أو الساخرة، مؤكدة أنها تترك ندوبًا أعمق بكثير مما يتوقعه الأهل، نظرًا إلى أن الطفل في هذه المرحلة العمرية يميل إلى تصديق كل ما يقال عنه.

وتابعت العرنوس أن الطفل قد يتظاهر بعدم الاكتراث أمام عائلته، لكنه يبدأ داخليًا بمراقبة شكله ونبرة صوته وحركاته وطريقة كلامه بشكل صارم، مما يجعله أكثر قلقًا وحذرًا، ويفقده تلقائيته الفطرية.

كما شددت على خطورة ترك الأطفال يقرؤون التعليقات دون رقابة وتوجيه، معتبرة أن الخطر الأكبر يكمن في ارتهان مزاج الأسرة بأكملها وتقلبها صعودًا وهبوطًا بناء على الأرقام والمؤشرات الرقمية، مما يحوّل البيئة المنزلية إلى مساحة غير مستقرة نفسيًا.

الحماية من فخ الاستنزاف الرقمي

حددت الاستشارية خطًا فاصلًا بين الدعم الصحي لموهبة الطفل في صناعة المحتوى وبين استنزافه رقميًا، لافتة إلى أن المعيار الأساسي للنجاح هو بقاء هذا النشاط خاضعًا لاحتياجات الطفل ذاته، لا لخوارزميات المنصات الرقمية.

ويتطلب هذا التوازن شروطًا صارمة، في مقدمتها أن يكون التصوير محدود الوقت، واختياريًا بالكامل، ومستقلًا تمامًا عن الدخل الأساسي للأسرة، لضمان عدم تأثيره على أولويات الطفل اللصيقة بنموه، كالدراسة والنوم واللعب وبناء العلاقات الواقعية.

كما تحدثت العرنوس عن ضرورة أن يتناسب المحتوى مع المرحلة العمرية للطفل، بحيث يخلو من مظاهر الاستعراض أو الإحراج أو كشف الأسرار والحياة الخاصة.

المؤشرات النفسية والسلوكية للضرر

رصدت الاستشارية حزمة من المؤشرات السلوكية والنفسية التي تشكل “علامات خطر” تنذر ببداية تضرر الطفل نفسيًا جراء الحضور الرقمي المستمر.

ويأتي في مقدمة هذه العلامات انشغال الطفل المفرط بعدد المشاهدات والتفاعل، وإصابته بالتوتر والقلق قبل التصوير، أو نوبات الغضب عند انخفاض معدلات المتابعة، وصولًا إلى ربط سعادته وثقته بنفسه بمديح الجمهور الافتراضي فقط.

وحذرت الاستشارية من ظاهرة “الرضوخ الصامت”، إذ يرفض الطفل الظهور في البداية، ثم يستسلم ويوافق خوفًا من إغضاب والديه أو إحباطهما.

على الصعيد المعرفي والاجتماعي، أكدت العرنوس أن تبنّي الطفل لغة تسويقية وتجارية في حديثه عن نفسه، أو شعوره بالضغط المستمر ليكون مثاليًا ومرحًا طوال الوقت، يعد مؤشرًا خطيرًا على تشوه هويته الفطرية.

ويتكامل هذا الخطر النفسي مع مظاهر سلوكية ملموسة، وفقًا للاستشارية، مثل اضطرابات النوم، وتراجع الأداء الدراسي، وانحسار اللعب العفوي، وعزلته عن علاقاته الواقعية، فضلًا عن شعوره بالضيق والضياع عندما ينطفئ وميض الكاميرا.

نصائح وضوابط علم النفس التربوي

وضعت العرنوس خارطة طريق تربوية للأسر لحماية أطفالهم من أخطار الفضاء الرقمي، مرسخة قاعدة ذهبية عنوانها “الحماية قبل الانتشار”.

وتتلخص هذه الضوابط الصارمة بـ:

• خطوط النشر الحمراء: حظر صور بكاء الطفل، مرضه، عقابه، خوفه، ملابسه الخاصة، بياناته الشخصية، والتفاصيل اليومية الحميمية.
• عزل الأرقام: إبعاد الطفل عن هوس متابعة المشاهدات والتفاعل.
• مساحات بلا كاميرات: تحديد أوقات وأماكن بالمنزل يُمنع فيها التصوير للحفاظ على عفوية الحياة الأسرية.
• حق الانسحاب: حرية التوقف عن صناعة المحتوى دون لوم أو مقارنة بأطفال آخرين.
• الأمان المالي: حفظ عوائد المحتوى لمستقبل الطفل.
• التحرير النفسي: عدم تحميل الطفل مسؤولية إعالة الأسرة أو رفاهيتها.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة