تعا تفرج

الله يرحم جدك

tag icon ع ع ع

خطيب بدلة

“جدي، الله يرحمه، حارب الفرنسيين، واستشهد”. كثيرًا ما نسمع هذه العبارة من السوريين، يقولها بعضهم كمعلومة، ويترنم بها آخرون، باعتبار أن محاربة الفرنسيين شرف يدعو إلى الفخر، ولا أحد، في الحالتين، يسأل: لماذا؟

لو طُرح هذا السؤال، في أي مكان، أو على أي منبر إعلامي، لأثار الكثير من الدهشة، والاستغراب، بل والاستنكار، فمواجهة المحتل الفرنسي أمر يدخل في باب البديهيات والمسلّمات، ولكنني، محسوبكم، أمتلك رغبة عارمة في مناقشة البديهيات والمسلّمات، أريد أن أفهمها، وأعرف كيف، ولماذا تحولت إلى بديهيات مستقرة في الأذهان. سيأتيك الجواب، غالبًا: حارب الفرنسيين لأنهم احتلوا بلدنا، سوريا. عظيم. هنا يظهر سؤال آخر: حينما دخل الفرنسيون البلاد السورية، في شهر تموز 1920، هل كانت سوريا دولة، لها حدود مرسومة، وعلم، ونشيد وطني، وحكومة وطنية؟

دعونا، في معرض الإجابة على هذا التساؤل الصعب، نستعرض الوقائع التاريخية. كانت، هذه البلاد، تُعرف باسم بلاد الشام، احتلها العثمانيون سنة 1516، واستمر هذا الاحتلال 402 سنة، وهي لم تتحرر من الاحتلال بإرادة شعبها، ولا بنتيجة ثورات شعبية، وما حصل أن الدولة العثمانية شاركت في الحرب العالمية الأولى، وخسرت الحرب أمام البريطانيين والفرنسيين، وأُجبرت على التخلي عن معظم البلاد التي تسمى، اليوم، الشرق الأوسط، والدولتان المنتصرتان، فرنسا وبريطانيا، رسمتا حدود هذه المناطق، ضمن اتفاق سايكس بيكو، وأعطت لليهود وعدًا، بدولة مستقلة، وأعطت للأمير العربي، الحسين بن علي، الذي شارك إلى جانبها في الحرب، وعدًا بدولة مستقلة، وكانت سوريا من نصيبه، وبالفعل، أتى نجله، فيصل، إلى دمشق، وأقام فيها دولته، ولكن فرنسا أخرجته منها، واحتلت سوريا، ما يعني، في المحصلة، أن فرنسا هي التي أوجدت سوريا، بوصفها كيانًا مستقلًا، ورسمت حدودها، وبقيت فيها 26 سنة، استطاعت، خلالها، أن تحولها إلى جمهورية.

الثورات العديدة، التي انطلقت فور دخول فرنسا إلى هذه البلاد، لها سبب واحد، هو أن شعوبها لا تعتبر الدولة التي تحتلها غازية، أو مستعمرة إذا كانت مسلمة، وترفض وتستنكر وتثور وتحارب أية دولة غير مسلمة تقترب منها، وأنا لا أقول هذا الكلام هنا لكي أبدي تعاطفي مع المحتل الفرنسي، أو البريطاني، ولكنني أتساءل: لماذا لا يكون مبدؤنا الأساسي هو رفض الاحتلال الأجنبي كله، وبغض النظر عن ديانة الدولة الغازية؟

برأيي، وقد أكون مخطئًا، إن أكبر مشكلة تعاني منها شعوبنا، هي عدم المقدرة على التمييز بين الأعداء، ففيما بعد، واعتبارًا من سنة 1948، تضافرت القوى الأيديولوجية المسيطرة على ساحة تفكير شعبنا: القومية، والإسلامية، وفيما بعد الماركسية، لإقناعه بأن العدو الوحيد الذي يتربص به، ولا بد من مواجهته، ومحاربته، والسعي لإزالته من الوجود، هو إسرائيل، وكان الضخ قويًا إلى درجة منع أي صوت عاقل من الظهور، فلا يجوز لأحد أن يقول إن لدينا أعداء خطيرين كثيرين، كالجهل، والتخلف، والاستبداد، والكذب، لأن هذه الأسئلة لا بد أن توصل هذا الشعب إلى نتيجة مخيفة، وهي أن أصحاب هذه الأيديولوجيات، أنفسهم، هم الأعداء الحقيقيون، الذين يفتكون به!



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة