16 ألف إصابة.. الحسكة عطشى والمياه البديلة “خطر صحي”

camera iconعائلة تشتري المياه من صهريج في الحسكة – 30 حزيران 2026 (عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

لم يعد الحصول على مياه الشرب في مدينة الحسكة تحديًا عابرًا، بل تحول إلى جزء من الحياة اليومية التي تستنزف دخل السكان وتفرض عليهم خيارات صعبة بين تحمل التكاليف المرتفعة أو المخاطرة باستخدام مياه مجهولة المصدر.

وبعد سنتين من توقف وصول المياه عبر محطة علوك، أصبحت الصهاريج الخاصة المصدر الرئيس لمياه الشرب والاستخدام المنزلي لمعظم سكان المدينة، في وقت تحذر فيه الجهات الصحية من ارتفاع الأمراض المرتبطة بتلوث المياه.

وفي حين تتواصل أعمال إعادة تأهيل محطة علوك وخطوط الجر الممتدة بين مدينة رأس العين والحسكة، تمهيدًا لإعادة تشغيلها، لا يزال الأهالي يعتمدون بصورة شبه كاملة على شراء المياه، وسط غياب رقابة كافية على مصادرها، وارتفاع أسعارها بصورة متواصلة، ما يضيف عبئًا اقتصاديًا جديدًا إلى أزمات المعيشة المتراكمة.

مياه الشرب بند ثابت في ميزانية الأسرة

يصل سعر خزان المياه الواحد، بسعة ألف لتر، داخل مدينة الحسكة إلى نحو 60 ألف ليرة سورية، بينما يرتفع في الأحياء والأرياف القريبة إلى نحو 100 ألف ليرة، ويصل في المناطق الأبعد إلى 150 ألف ليرة، بحسب الأسعار المتداولة حاليًا.

وتحتاج الأسرة الواحدة، وفق عدد أفرادها، إلى عدة خزانات شهريًا، سواء للشرب أو الطبخ أو الاستخدامات المنزلية، ما يجعل الإنفاق على المياه بندًا ثابتًا يستهلك جزءًا مهمًا من الدخل، في محافظة تعاني أصلًا من ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية.

ورغم الكلفة المرتفعة، لا يملك معظم السكان بديلًا آخر، إذ انقطعت المياه القادمة من محطة علوك منذ قرابة عامين، بعد سلسلة طويلة من الانقطاعات التي شهدتها المحطة خلال السنوات السابقة، لتصبح الصهاريج والآبار الخاصة الوسيلة الوحيدة لتأمين المياه.

وفي الفترة الأخيرة، بدأت الجهات المعنية تنفيذ أعمال لإعادة تأهيل محطة علوك وخطوطها، شملت إزالة التعديات عن خطوط الجر وإصلاح أجزاء من الشبكة الممتدة بين رأس العين والحسكة، في خطوة يأمل السكان أن تمهد لإعادة ضخ المياه وإنهاء واحدة من أطول أزمات الخدمات الأساسية في المحافظة.

“راتب كامل يذهب للمياه“

يقول أحمد السالم، وهو موظف حكومي يقطن حي غويران في الحسكة، إن عائلته المكونة من ستة أفراد تحتاج إلى شراء أربعة إلى ستة خزانات مياه شهريًا.

وأضاف، لعنب بلدي، “كنا ندفع قبل سنوات مبلغًا بسيطًا لقاء المياه، أما اليوم فأصبحنا نحسب استهلاكنا يومًا بيوم. أحيانًا نؤجل شراء احتياجات المنزل الأخرى لأن علينا تأمين ثمن المياه أولًا.”

وأشار إلى أن العائلة تضطر إلى ترشيد استخدام المياه في جميع الأنشطة المنزلية، حتى إن الأطفال اعتادوا على تقليل الاستحمام وغسل الملابس لتقليل عدد الصهاريج المطلوبة كل شهر.

ويرى أحمد السالم أن الأزمة لم تعد مرتبطة بانقطاع الخدمة فقط، بل بالكلفة التي تزداد باستمرار، في ظل غياب أي حلول مستقرة.

قلق دائم من جودة المياه

ولا تقف معاناة الأهالي عند ارتفاع الأسعار، إذ يرافقها خوف دائم من جودة المياه التي تصل عبر الصهاريج.

وتقول سعاد المحمد، وهي ربة منزل من حي الصالحية، إنها لم تعد تثق بالمياه التي تشتريها، لكنها لا تملك خيارًا آخر.

وأضافت: “نلاحظ أحيانًا تغيرًا في لون المياه أو رائحتها، فنضطر إلى غليها قبل الشرب، ونشتري مياهًا معبأة للأطفال عندما نستطيع، لكن ذلك يزيد المصاريف أكثر”.

وأوضحت أن الأسرة شهدت أكثر من مرة إصابات بالإسهال بين الأطفال، دون القدرة على التأكد من مصدر العدوى، إلا أنها ترجح أن يكون السبب المياه المستخدمة يوميًا.

وتابعت أن الأهالي أصبحوا يتبادلون المعلومات عن أصحاب الصهاريج الذين يعتقدون أن مياههم “أنظف”، في ظل غياب جهة تضمن جودة المياه أو تعلن نتائج فحوص دورية لها.

أرقام صحية مقلقة

تعكس بيانات مديرية الصحة في الحسكة حجم المشكلة الصحية المرتبطة بأزمة المياه.

وأحصت المديرية 16 ألفًا و350 حالة إسهال حاد ومدمى بين الأطفال والبالغين منذ شهر شباط وحتى اليوم، وعزت هذه الإصابات إلى الاعتماد على مياه الصهاريج والآبار غير المأمونة.

وقال رئيس دائرة الأمراض السارية في مديرية الصحة بمحافظة الحسكة، إلياس كروم، إن السبب الرئيس لارتفاع حالات التسمم والإسهال يعود إلى عدم موثوقية مصادر المياه التي يعتمد عليها السكان.

وأوضح: “يعتمد معظم أهالي الحسكة على مياه الصهاريج، لذلك لا يمكننا ضمان جودتها من الناحية الجرثومية، وهذا يعدّ من أبرز أسباب ازدياد حالات التسمم والإسهال”.

وأضاف أن جميع السكان معرضون للإصابة بالأمراض المنقولة عبر المياه، إلا أن الأطفال يبقون الفئة الأكثر عرضة للخطر بسبب حساسيتهم العالية للتجفاف الناتج عن الإسهال المتكرر.

ودعا الأهالي إلى مراقبة نوعية المياه التي يشربها أطفالهم، والتأكد قدر الإمكان من سلامتها قبل الاستخدام.

كما حذر من الإسهال المائي الحاد، موضحًا: “أكثر ما يثير قلقنا خلال هذه الفترة، هو الإسهال المائي الذي قد يندرج ضمن حالات الكوليرا المشتبه بها، أما بقية أنواع الإسهال، فإن استمرارها قد يؤدي إلى حالات تجفاف خطيرة، خاصة لدى الأطفال.”

وبحسب إحصائيات المديرية، سُجل منذ شهر شباط 181 حالة إسهال مدمى بين الأطفال، و169 حالة بين البالغين، إضافة إلى نحو 9 آلاف حالة إسهال حاد بين الأطفال، و7 آلاف حالة بين البالغين.

مياه الآبار ليست الحل

في محاولة لتخفيف الاعتماد على الصهاريج، لجأ عدد من سكان المدينة إلى حفر آبار سطحية داخل الأحياء السكنية أو في المنازل.

غير أن هذه الخطوة لم توفر حلًا دائمًا، إذ إن مياه كثير من الآبار تتميز بارتفاع نسبة الملوحة أو تلوثها، ما يجعلها غير مناسبة للشرب، وأحيانًا حتى للاستخدام المنزلي.

ويقول الشاب محمد العبد، من حي الناصرة، إن أسرته حفرت بئرًا بعد تكرار انقطاع المياه، لكنها اكتشفت لاحقًا أن المياه غير صالحة للشرب.

وأضاف: “نستخدم مياه البئر فقط للتنظيف وري الحديقة، أما للشرب فنضطر إلى شراء مياه الصهاريج، لأن طعم مياه البئر مالح، وظهرت لدى بعض أفراد الأسرة مشكلات جلدية بعد استخدامها لفترة.”

وأشار إلى أن حفر البئر كلف الأسرة ملايين الليرات، ورغم ذلك لم ينهِ مشكلة المياه، إذ ما تزال الأسرة تشتري المياه المخصصة للشرب بصورة منتظمة.

بين الأمراض والديون

أما خولة الأحمد، وهي أرملة تعيل ثلاثة أطفال وتقيم في حي العزيزية، فتقول إن أكثر ما يرهقها هو الاختيار بين شراء المياه أو توفير احتياجات أخرى للأسرة.

وأضافت: “أحيانًا أستدين ثمن خزان المياه لأنني لا أستطيع تأجيل شرائه. الأطفال يحتاجون إلى الماء للشرب والطبخ والغسيل، ولا يوجد بديل”.

وأشارت إلى أن أحد أطفالها أصيب بالإسهال أكثر من مرة خلال الأشهر الماضية، ما اضطرها إلى مراجعة المراكز الصحية وشراء الأدوية، لتتحول أزمة المياه إلى عبء صحي ومالي في الوقت نفسه.

وترى خولة الأحمد أن عودة ضخ المياه عبر الشبكة ستكون كفيلة بتخفيف جانب كبير من معاناة الأسر محدودة الدخل.

غياب الرقابة يزيد المخاوف

ويؤكد خليل العلي وهو مختص في الصحة العامة، في حديث لعنب بلدي، أن جزءًا من المشكلة لا يرتبط فقط بمصدر المياه، بل بآلية نقلها وتخزينها.

فالصهاريج الخاصة، وفق العلي، تختلف في مستوى النظافة والصيانة، كما أن مصادر تعبئتها ليست معلنة دائمًا، ما يجعل المستهلك عاجزًا عن معرفة جودة المياه التي يشتريها.

ويرى العلي أن نقل المياه الصالحة للشرب يتطلب إجراءات رقابية دقيقة تشمل فحص مصادر المياه دوريًا، وتعقيم الصهاريج، وإجراء تحاليل مخبرية منتظمة، وهي إجراءات يقول السكان إنها لا تُطبق بالشكل الكافي حاليًا.

مضيفًا أن غياب هذه الرقابة يؤدي إلى زيادة احتمالات انتقال الأمراض المنقولة بالمياه، خصوصًا خلال فصل الصيف، مع ارتفاع درجات الحرارة، وهو ما ينعكس في ازدياد حالات الإسهال والتسمم الغذائي.

آمال معلقة على عودة محطة علوك

رغم استمرار الأزمة، يترقب سكان الحسكة نتائج أعمال إعادة تأهيل محطة علوك وخطوط نقل المياه، على أمل أن تنتهي سنوات الاعتماد على الصهاريج.

ويرى الأهالي أن عودة المحطة إلى العمل بصورة مستقرة لن تعني فقط توفير المياه، بل ستخفف أيضًا الأعباء الاقتصادية عن آلاف الأسر، وتحد من انتشار الأمراض المرتبطة بالمياه غير الآمنة.

لكن حتى يتحقق ذلك، يبقى سكان المدينة أمام واقع يومي عنوانه شراء المياه بأسعار مرتفعة، مع القلق الدائم من جودتها، في أزمة تجمع بين الأبعاد الخدمية والاقتصادية والصحية، وتلقي بثقلها على حياة مئات آلاف السكان الذين ينتظرون انتهاء واحدة من أكثر أزمات الحسكة إلحاحًا.

 



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة