
لا تزال معظم العشائر العربية في الرقة متمسكة بثقافة الانتخاء بالمرأة بوصفها موروثًا جامعًا وأساسًا في بناء المجتمع القبلي (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

لا تزال معظم العشائر العربية في الرقة متمسكة بثقافة الانتخاء بالمرأة بوصفها موروثًا جامعًا وأساسًا في بناء المجتمع القبلي (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)
عنب بلدي – أحمد الحمدي
يحافظ أهالي محافظة الرقة على العديد من العادات والتقاليد والثقافات التي توارثوها عن آبائهم وأجدادهم، والتي تمثل المجتمع العربي الأصيل وما يحمله من إرث عريق ممتد منذ آلاف السنين.
ومن أبرز هذه الثقافات، ثقافة “الانتخاء بالمرأة” التي لا تزال معظم العشائر العربية متمسكة بها بوصفها موروثًا جامعًا، وأساسًا مهمًا في بناء المجتمع القبلي، إذ تُعرف كل عشيرة أو قبيلة أو حتى فخذ منها بإخوة إحدى نسائها.
وتعكس هذه الثقافة مدى اعتزاز القبيلة بالمرأة ودورها البارز فيها، حيث تعد المرأة مصدر قوة وشجاعة وفخر لأبنائها، بوصفها رمزًا أساسيًا للشرف والكرامة، لذلك ينادى أبناء العشيرة بـ”إخوة فلانة”، في دلالة على المكانة الرفيعة للمرأة بين قومها.
وتُعرف في منطقة حوض الفرات أسماء نساء كثيرات خلّدتهن هذه التسمية، مثل إخوة: هدلة، شقرا، عجيبة، غرة، ندوة، دنيا، عدله، سمسة، وكثير من النساء اللواتي “ينتخي” بهن أبناء القبيلة أو العشيرة أو عائلات ضمنها.
وكل هذه الأسماء تعود لنساء اشتهرن بمواقفهن النبيلة، سواء في الكرم أو الشجاعة، أو حتى مشاركتهن في القتال إلى جانب أبناء قبيلتهن.
قال الإعلامي والمهتم بالشأن الثقافي من محافظة الرقة مؤيد العجيلي، إن “الانتخاء بالمرأة” ثقافة أصيلة، وقيمة متأصلة في التاريخ العربي تعود، بحسب ما يتم تداوله، إلى ما قبل الإسلام، وربما إلى عصور الجاهلية، بل قد تكون أقدم من ذلك، وهي ليست مجرد كلمة، بل حالة وجدانية واجتماعية تعبّر عن الاعتزاز والنجدة والحمية.
في المجتمع البدوي، تتخذ النخوة أشكالًا عملية وواضحة، ومن أبرزها “العطفة”، وتُستخدم في المعارك الحاسمة المصيرية وليست في كل غزوة، بل حين يكون هناك تهديد مباشر للديار.
وتتمثل “العطفة” عادة بامرأة من بيت الشيخ أو من ذوات المكانة، تزين وتوضع في هودج خلف الجيش ويحيط بها الفرسان لحمايتها، بحسب العجيلي، مضيفًا أن وجودها يشكل دافعًا نفسيًا ومعنويًا للمقاتلين، إذ يعتبر سقوطها أو أسرها عارًا كبيرًا، بينما حمايتها رمز للشرف.
ويحافظ أهالي الرقة على العديد من العادات والتقاليد والثقافات والأعراف الاجتماعية التي تميزهم كمجتمع قبلي محافظ، منها “الصبحة”، وهي وليمة غداء أو فطور كبيرة يوم زفاف ابن القبيلة.
ويبرز فيها اللباس العربي الأصيل المتمثل بالجلابية والعقال والشماغ، بالإضافة إلى الشهامة والكرم والفزعة.
وأكد العجيلي أن هناك ضوابط اجتماعية واضحة، فالنخوة غالبًا ما ترتبط بصلة الدم، كأن “ينتخي” الرجل بأخته أو أمه أو عمته، ولا “ينتخي” بزوجته، كذلك المرأة بدورها “تنتخي” بأقاربها الأقربين فتقول أنا أخت فلان.
أشار الإعلامي والمهتم بالشأن الثقافي من محافظة الرقة مؤيد العجيلي إلى أن “الانتخاء بالمرأة” في جوهره يعزز مكانة المرأة ويرفع قيمتها حين ينتخي الرجل باسم امرأة، فهو يختار نموذجًا للكمال الأخلاقي والاجتماعي ما يدفع المجتمع للتساؤل: ما الصفات التي جعلت هذه المرأة مصدر فخر ونداء؟
وشدد العجيلي على أن من المهم أن تكون النخوة صادقة ومبنية على أفعال، لا مجرد أقوال، فلا معنى لأن يقول شخص “أنا أخو فلانة” دون أن يثبت ذلك بمواقف الرجولة والوفاء.
قال الإعلامي من محافظة الرقة مؤيد العجيلي، إن السياق تغير اليوم، ففي الماضي كانت العشيرة هي التي تحمي أفرادها، أما الآن فالدولة تقوم بهذا الدور.
لذلك يرى أن النخوة يجب أن تبقى كقيمة رمزية وثقافية، لا كممارسات تؤدي إلى العصبية أو النزاعات.
وأكد العجيلي في ختام حديثه أن النخوة ليست شعارًا، بل مسؤولية، وهي تعني أن تكون على قدر القول بالفعل، مستشهدًا بقول الشاعر “المتنبي”: “على قدر أهل العزم تأتي العزائم”.
ودعا إلى المحافظة على هذه القيمة كجزء أصيل من التراث، مع تطويرها بما يتناسب مع الواقع المعاصر.
في قراءة مختلفة، يرى الناشط المهتم بالتاريخ القبلي أحمد الواجد، أن السردية الشائعة التي تختزل هذا التاريخ في الحروب فقط، لا تعكس حقيقته الكاملة، بل تخفي وراءها بنية اجتماعية عميقة كانت القبيلة مركزها الأساسي، والمرأة أحد أهم رموزها.
وقال الواجد في حديث إلى عنب بلدي، إن تاريخ العرب ليس مجرد سجل للمعارك، بل هو انعكاس لبنية اجتماعية متماسكة، قوامها القبيلة، التي شكلت فضاء للتنافس والفخر.
وضمن هذا النسق، برزت المرأة ليس كشخص عادي، بل “كرمز مقدس تُبذل دونه الأرواح”.
وأضاف أن هذه المكانة لم تكن طارئة، بل استمرت من الجاهلية حتى بدايات العصر الحديث، مع حفاظها على جوهرها وإن تغيرت تجلياتها.
وأشار إلى أن هذا الحضور لم يكن تعبيرًا عن ضعف، بل عن وعي اجتماعي استثمر فكرة “الحُرمة” لتحويلها إلى دافع قتالي هائل.
عن تطور صورة المرأة في الوعي العربي، قال الناشط المهتم بالتاريخ القبلي أحمد الواجد، إن هناك مرحلتين أساسيتين: في الأولى، أي في الجاهلية وصدر الإسلام، كان الاعتزاز يتجه نحو الأم التي كان المقاتل ينتسب إليها في ساحة القتال، كما فعلت قبائل “الأوس” و”الخزرج” حين انتسبت إلى “قيلة”، وكما اشتهر ملوك المناذرة بأسماء أمهاتهم.
حتى في لحظات حرجة، كما في يوم حُنين، نجد النبي محمد يقول: “أنا ابن العواتك”، في إشارة إلى جداته، وهو نموذج واضح لهذا النمط من الفخر.
أحمد الواجد
ناشط مهتم بالتاريخ القبلي
أما المرحلة الثانية، بحسب الواجد، فهي العصر الحديث، حيث تغيرت الرمزية، وانتقل مركز الاعتزاز من الأم إلى الأخت.
وهنا ظهرت فكرة “النخوة”، التي يرجح أنها جاءت من عبارة “أنا أخو فلانة”، حيث أصبحت الأخت تمثل العرض والذِمار الذي يستنهض للدفاع عنه.
أكد المهتم بالتاريخ القبلي أحمد الواجد أن اختيار اسم المرأة التي “تنتخي” بها القبيلة لم يكن عشوائيًا، بل قائمًا على استحقاق.
وغالبًا ما تكون هذه المرأة صاحبة موقف مؤثر، أو تنتمي لبيت له مكانة وسط القبيلة قد تكون جارة أو امرأة عادية، لكن موقفًا بطوليًا واحدًا كفيل بأن يحول اسمها إلى رمز يتوارث عبر الأجيال.
وختم الواجد حديثه بالقول، إن “استحضار المرأة في ساحات القتال لم يكن دلالة على عاطفية زائدة، بل كان تعبيرًا عن ذكاء اجتماعي عند العرب أدركوا من خلاله أن الدفاع عن الرمز هو دفاع عن الوجود نفسه، فجعلوا من المرأة هذا الرمز الذي لا يُمكن التفريط به تحت أي ظرف”.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى