في سوريا.. الصحافة المعمقة بأضعف حالاتها
علي عيد
لم يكن ازدهار الصحافة المعمقة عمومًا والاستقصائية خصوصًا في سوريا مرتبطًا بالاستقرار الأمني، مع انتشار التحقيقات العابرة للحدود (Cross-border)، وخلال 14 عامًا، هي عمر الثورة التي سقط على إثرها النظام، أنتج السوريون مئات التحقيقات والاستقصاءات التي هزّت ضمير العالم، بل دخلت في صلب القرار الدولي والعدالة الانتقالية، ونالت إعجاب كبريات المنظمات والمؤسسات والدوائر البحثية.
ما الذي حصل بعدها؟ لن أبالغ بالقول إن ما أعقب سقوط النظام هو تحوّل هائل في المعطيات على الأرض، وانكشاف صريح لمجموعة من وسائل الإعلام والمنصات، عملت معًا في كشف الجرائم والانتهاكات والفساد في “دولة الأسد”، ثم تبين أن هناك تناقضًا أيديولوجيًا عصف بها كما عصف بالصحفيين أنفسهم، وهي فرضية تتطلب التمحيص.
كما أن من أبرز العوامل التحول الملحوظ في سياسات المنظمات الداعمة، التي تتأثر بالمزاج السياسي للدول التي تعمل منها، أو تحصل على أموالها من دافعي الضرائب فيها، ولكي أكون أكثر تخصيصًا، هناك تغير كبير في توجهات المنظمات الأوروبية والأمريكية لا يخطئه المراقبون والخبراء.
وما كان تهمة لتيار أيديولوجي أو ديني أو راديكالي في الماضي، لم يعد كذلك، بمعايير المنظمات الأممية، والأطراف الفاعلة دوليًا، دون خوض في الأسباب ومنطقيتها، وهو ما يؤثر في برامج إمداد الصحافة المستقلة ماليًا، ويدفعها نحو استراتيجيات جديدة في حربها للبقاء، وغالبًا ما تجنح الصحافة للتراجع خطوة مقابل الحفاظ على وجودها.
المتتبع لنشاط الصحافة الاستقصائية يلاحظ تراجعًا في تدفقها، ولهذا أسباب متعددة، منها أن ما شهدته سوريا خلال الفترة ما بعد 8 من كانون الأول 2024، شكّل تغييرًا في البنية الاقتصادية والسياسية والأمنية.
وفي بلد تعطلت فيه البيئة التشريعية، وعادت مختلف القطاعات لتبدأ من الصفر، وانشغل الصحفيون في ترتيب أوراقهم، والتأقلم مع البيئة الجديدة، ربما يحتاج الأمر إلى مزيد من الوقت للإلمام والمتابعة، دون إغفال بعض ما ينجز من تحقيقات، تلاقي هي الأخرى ملاحظات بعضها يتعلق بالمهنية، والآخر ناتج عن تشتت ذهني وإعادة تموضع.
ما سبق قد يتناقض في التفسير مع خصائص الصحافة المسؤولة، لكن الصحفيين بشر في النهاية، يتأثرون بما يحيط بهم، ويحتاجون إلى حماية واستقرار، ودلائل وقرائن في بيئة ليس فيها رقم ولا معطى.
تقدم الصحافة المعمقة بأنها فهم شامل يحيط بقضية أو حدث، متجاوزة مرحلة نقل الأخبار نحو تحليل الأسباب وتقدير الآثار المحتملة، بالاعتماد على التحري والتدقيق، والمتابعة مع المتخصصين والخبراء، وتقديم الخلفيات والسياقات.
ومن أبرز أشكال الصحافة المعمقة، الصحافة الاستقصائية، التي تقوم بدور المساءلة وكشف الفساد والانتهاكات، وتقديم معلومات جديدة غائبة عن الرأي العام ولا تغطيها الأخبار والتقارير.
تتطلب الصحافة الاستقصائية عناصر لاستمرارها ونجاحها منها:
- الخبرة وامتلاك الأدوات البحثية المناسبة: في سوريا توجد خبرات محلية جاءت من خارج الحدود لكنها تحتاج إلى توطين، إذ تظهر فجوة معرفية لدى الكوادر التي أمضت سنوات طويلة في بيئة تعليمية فقيرة أو مؤسسات إعلامية تقوم بدور الدعاية الحكومية.
- وجود أطراف داعمة تؤمن بالصحافة الاستقصائية، سواء من المنظمات أو المؤسسات أو دافعي الضرائب: لا يبدو أن هذا المسار متوفر حاليًا في سوريا، إذ تعاني البلاد من أزمة اقتصادية تنعكس على المواطنين، كما لا تتوفر عناصر الوعي الكافية لأهمية هذا النوع من الصحافة، ومدى الحاجة إليه، وليس من الواضح ما إذا كانت التشريعات أو القوانين المنتظرة تدعم صحافة الاستقصاء.
- عناصر الحماية والأمن والسلامة: تعتبر صحافة المساءلة خصمًا للفساد القادم من شخصيات حكومية أو سياسية أو خاصة، ولا يقتصر الأمر على سوريا، وبالتالي فإن البيئة الأمنية الهشة تهدد أمن الصحفيين.
- البيئة القانونية: لم تتبلور بعد الصورة التي ستستقر عليها التشريعات والقوانين الخاصة بقطاع الإعلام، وما لم تكن هناك قوانين تضمن حرية العمل الصحفي والحصانة للصحفيين، فإن بعض مظاهر ملاحقة الصحفيين أو صانعي المحتوى بسبب نقد السياسات الاقتصادية أو الأمنية ستكون عامل إضعاف وتراجع لصحافة المساءلة.
تُعرف صحافة المساءلة على أنها شريك موثوق يساعد مؤسسات الدولة في الكشف والتصحيح، ما يستوجب توفير بيئة مناسبة لعملها، وتوفير الحماية والدعم والتدريب لكوادرها، وما لم يحصل هذا الدعم، فإن هناك من سيملأ الفراغ من خارج الحدود.
تعتمد كثير من الدول على الصحافة الاستقصائية كرديف فاعل في كشف الفساد، وفي بلد مثل سوريا، ما زالت قوانينه وبيئته الاقتصادية والسياسية يلفها الغموض، يُعتبر أي تراجع في عمل تلك الصحافة ضربة لدور السلطة الرابعة وأهميتها في خدمة الجمهور وصانع القرار في آن واحد.. وللحديث بقية.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :




